الخميس، 24 سبتمبر 2026

مرثية لوطن على حافة الرماد __بقلم الشاعر السوري / علي عمر


مرثية لوطنٍ على حافة الرماد


وطني...

كان شجرةً من ضياء

جذرها في القلب

وظلّها يتّسع للجميع

ثم جاء العدوّ ينهش الجذور

وجئنا نحن بفؤوس الخوف

نقتطع من جذعها

غصنًا بعد غصن

حتى نسينا أن الشجرة

كانت صورتنا.

لم يسقط الوطن

حين احترقت أرضه

سقط يوم صار الأخ

يرى في أخيه غريبًا

ويحتاج القلب إلى برهان

كي يصدّق القلب.

وحين أفقنا كان الجذع أسود

والطيور قد غادرت

والرماد يحفظ أسماءنا.

وقفنا نسأل الريح

متى يعود الوطن؟

فلم تجب.

فالريح لا تُعيد

جذرًا اقتلعته أيدينا

ولا تُنبت ما قتلناه في بعضنا.

عندها فهمنا

أن السؤال لم يكن

متى يعود الوطن؟

بل متى نعود نحن

إلى الإنسان

الذي كان الوطن

يبدأ منه؟

وفي الفجر

حين حرّكت الريح الرماد

ظهر جذرٌ صغير دافئًا

كأن الحياة

كانت تخبّئ قلبها

تحت الرماد.

هذه المرة

لم نمدّ أيدينا لنقتلعَه

انحنينا لنحرسه.

ومن بين أصابعنا

خرج خيطٌ أخضر.

لم تكن شجرةً بعد

لكنها كانت بداية الوطن.

فالوطن

ليس المكان الذي نعيش فيه

الوطن هو الإنسان

الذي لا نقتلع إنسانيته

من قلب أخيه.

وحين نصير جديرين

بأن نحرس هذا الجذر

لن يعود الوطن إلينا...

سنكون نحن

قد عدنا إليه.

بقلم :

علي عمر 

حنين قلبي _بقلم الشاعرة المصرية/أمينة عبده


 حنين قلبي…

يأخذني حنيني لطريق أحببته


أفتّش في ذاكرتي عن يوم قضيته


قلبي كان يسابقني


أُصبّر قلبي فقد أضعته


هل ضللت الطريق؟


أم كان وهماً تمنيته؟


أسقيته حبي


حتى أسكرته


ما كان يوماً لي


رسم لي طريقاً مشيته


ولكنه…


سيد قلبي ومالكه


قلبي أخبره


ما احتلّه غيره…


​بقلم : 


أمينة عبده


معلش _بقلم الشاعر المصري /حليم محمود ابو العيلة


 معلهش

معلهـش اُعـذُرني النهاردة

هــ عمل تليـفوني صامـت

عينيك مُش قادرة  لقمري

وعلشـانك  خليته  خافـت

وأنفاسـي  طِفت  قناديلك

وادارىٰ  وخـليـك  سـاكـت

ف وجودي  الكُل  بيتنازل

والشمس انكسفت وادارت

القمرة اتخسفت ف دقايق

دا ظهـرت فجاءة و غابـت

والنجمة  اعتزلت  بمزاجها

وحطتنـي  مكانها  وفاتـت

سـهام  رموشـك  دبحتنـي

وخدودك  دوبتني  ودابت

فسر  لي  دا كله  وعلل لي

ولا الكلمة ع لسانك  ماتت

 بقلم : 

حليم محمود أبوالعيلة


في القلب أمل _بقلم الكاتبة / فضيلة رشيد.


في القلب أمل

***


​خانتك أيام وكان صفاءُ


وظننت أن زمانك السراءُ


​كيف العزاء لمغبون في حبه


والحظ في ترب المنون هباءُ؟


​لم أيها القلب المشوق تكدرت


فيك الظنون وسالت الأنواءُ؟


​الدنيا كفن والأنام ظلالها


وبداية مجهولة وفناءُ


​يا نور عيني لم صددت عن الهوى


وتركتني والبعد فيه شقاءُ؟


​تعصف رياح البعد بين أماننا


وأنا وحيد والأسى جلساءُ


​في القلب أمل رغم جرحك يرتجي


هل بعد هذا الصد منك لقاءُ؟


​أم نستكين لغمنا في ظلمةٍ


ويغيب صوتي أو يموت نداءُ

بقلم : فضيلة رشيد  

في طور المرسل _بقلم المفكر. العربي/عيسى نجيب حداد


في طَوْرِ المُرْسَلِ

عَلَى سَاقِيَةِ الشِّتَاءِ

يَهْتَزُّ مَعَ رُفَاتِ الغَيْمِ

جَنِيُّ حَرْفٍ يَجْتَرُّ مَاضِيهِ

يَنْقُشُ عَلَى سَطْحِ وَرَقِ الخَرِيفِ

يَتَسَاقَطُ لِيَتَجَدَّدَ كَبُرْعُمٍ ذَهَبِيٍّ بِالرَّبِيعِ

يُولَدُ بِفَصْلِ الصَّيْفِ لِيَزْهُوَ بَيْرَقُهُ مِنَ النُّورِ

لَعَلَّ مَوَالِيدَ الشُّمُوعِ تَصْقُلُ مِنْ نَسِيجِ العَنْكَبُوتِ سِرَاجًا

يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ المَتَاهَاتِ مِنَ العَثَرَاتِ الَّتِي تَعْصِفُ بِنَا

تُسَاقُ حُلُولٌ لِكُلِّ مُشْكِلٍ يُعَشْعِشُ فِي جَهْلِ الأَفْرَادِ

دَيْدَنٌ مِنْ عِطْرِ الرَّاءِ يُغَانِجُ رُمْحَ الأَوْجَاعِ بِالصَّدْرِ

مُلْتَهِبٌ لِتَلْوِينِ دَفَاتِرِ الأَيَّامِ لِيَرْسُمَ أَشْكَالًا مِنْ بِدَايَةٍ

فِي صُنُوفِهِ رُمُوزٌ لِمَسْحِ دُمُوعِ صِبْيَةٍ مَكْسُورِي الخَوَاطِرِ

لِبَلَاءٍ مُفْجِعٍ عَصَفَتْهَا رِيحُ حَرْبٍ هَوْجَاءَ

وِسَادُهُمُ الأَحْجَارُ وَرَغِيفُهُمْ مَمْزُوجٌ بِسُمُومِ البَارُودِ

بِأَوْطَانٍ مُوجَعَةٍ مُمَزَّقَةِ الأَوْصَالِ بِوَحْلِ الإِغْرَاقَاتِ

مَا مِنْ طُمَأْنِينَةٍ لِلَّيْلِ يُسْكَبُ فِيهِ زَيْتٌ لِغِمَاسٍ بِلُقَمٍ

تَتَقَلَّبُ جَمَاعَاتٌ عَلَى المُمْتَلَكِ وَالقُوشَانُ صَارَ رَهْنًا

خَارِطَةُ البَشَرِ تُبَاعُ قِطَعًا وَلِلضَّوَارِي النَّصِيبُ الأَكْبَرُ

تَتَصَارَعُ الجَوَارِحُ لِيَبْقَى الرِّيشُ لَوْحَةً لِرَسَّامٍ أَعْوَرَ

وَمُؤَرِّخٌ فَاقِدُ الذَّاكِرَةِ عَلَى سُطُورِ التَّوَهَانِ يَبْتَزُّ الأَلَمَ

قِيلَ فِي القَدِيمِ كَثُرَتِ الجَوَائِحُ لَكِنَّ أَكْثَرَهَا بِوَطَنِي

كُلُّ الأَسْرَى عُمْيُ بَصِيرَةٍ وَعُرْسُ العَدُوِّ يَضِجُّ بِصَخَبٍ

نَادَوْا عَلَى المُهَجَّرِينَ هُنَاكَ تَدْوِينٌ عَلَى وَرَقِ صَفْصَافٍ

شَرُّ البَلِيَّةِ مَا يُضْحِكُ بَائِعُو البُلْدَانِ أَصْحَابُهَا بِسُكْرٍ

هُنَا أُجْهِضَتْ قَوَانِينُ التَّمَلُّكِ لِيُصَارَ تَوَارِيخُ جَدِيدَةٌ

مَنْ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ هَا هُنَا فَلْيَرْتَحِلْ لِلطَّابُورِ الآخَرِ غَدًا

عَلَى مَتْنِ هَذَا القِطَارِ يُتَوَّجُ مَنْ هُمْ قَنَّاصُونَ رِمَايَةً

حَدَاثَةُ التَّغْيِيرِ تَبْدَأُ بِتَفْتِيتِ المَوْرُوثَاتِ العَتِيقَةِ لَنَا 

بقلم : 

   عيسى نجيب حداد

    

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

الأشواق _بقلم الشاعر /كمال الدين حسين القاضي


 الأشْواقُ                                                                    قَتَلَ الفُؤَادَ بِسُهْدِهَا الأَشْوَاقُ

وَاللَّيْلُ يَمْضِي وَالهَوَى إِغْرَاقُ  


وَالنَّفْسُ بَيْنَ تَلَهُّفٍ وَمَضَاضَةٍ  

وَالقَلْبُ مَحْرُومُ اللِّقَا تَوَّاقُ  


يَا وَيْلَ كُلِّ أَحِبَّةٍ عَشِقُوا الهَوَى  

وَالْبُعْدُ نَارٌ كَاللَّظَى إِحْرَاقُ  


جُرْحُ المُتَيَّمِ بِالأَحِبَّةِ مُؤْلِمٌ  

وَالكَيْدُ مَا بَيْنَ الدُّجَى إِزْهَاقُ  


اِصْبِرْ عَلَى وَعْدِ القَضَاءِ وَحِكْمَةٍ  

فَالصَّبْرُ فِي نَيْلِ المُنَى آفَاقُ  


أَشْكُو غَرَامَكَ لِلَّذِي هُوَ حَافِظٌ  

جَمْعَ الوَرَى عَبْرَ المَدَى عُشَّاقُ  


كَمْ مِنْ شَبَابٍ فِي زَمَانٍ قَدْ مَضَى  

مَا بَيْنَ لَيْلٍ وَالهَوَى أَحْدَاقُ  


كَمْ مِنْ عَظِيمٍ فِي المَهَابَةِ قَدْ هَوَى  

وَالذَّنْبُ عِشْقٌ وَالمُنَى إِخْفَاقُ

بقلم :

كمال الدين حسين القاضي


ما أسرفت في التمني _بقلم الشاعر / سامي حسن عامر


ما أسرفت في التمني

فقط كان الليل ينتظر أن نلقى السلام

نخضب كف القمر ببعض الحناء

نسافر حيث لا بشر ولا انتظار

أعانق عينيك الخجلى

نقص على النهر حكايات الغرام

تحكي لي كم تحبني

كيف يصبح حضورك والياسمين سواء

أحبك شاعر يغني بالكلمات

ضفائر النور يجدلها موج النهر

تسافر السفن كي تبصرك

ودفاتر الحب أنت محتواها

ما أسرفت في التمني

فقط أصافح يديك ذات أمسية

أسرج من نظرات عينيك تلك الأمنية

عن شاعر استيقظ ذات صباح يبحث عنك

يسأل الشجر والطير وعقارب الساعات

مفعم بهمس فوضوي يتخلل الذات

كي ينطق فيك صوت السكات

كي نسدل تلك الستائر الخجلى

ويحصي الليل دقائق اللحظات المفعمة بالحب

ما أسرفت في التمني. 

بقلم:  سامي حسن عامر 

عذرا سيدتي _بقلم الشاعر /هيثم خليل بكري


 عُذْرًا سَيِّدَتِي

 ***

عُذْرًا سَيِّدَتِي،

ما جِئْتُكِ اليومَ مُعْتَذِرًا،

ولا قاصدًا بابَكِ حَرْفًا،

ولا شِعْرًا.

مَلِلْتُ الاعْتِذارَ أنا،

فكُلَّما جِئْتُكِ مُعْتَذِرًا،

رَدَدْتِ العُذْرَ بالغَدْرِ،

وأَبْكَيْتِنِي مَطَرًا.

أَشْعَلْتِ في خافِقِي

نارَ الهَوَى،

وجَعَلْتِ الرُّوحَ مِنِّي

لَكِ مَسْرًى.

لَكِنَّنِي ما زِلْتُ أَنا،

كَمَا عَهِدْتِنِي،

مَلِكَ الحُرُوفِ،

إِذَا مَنَحْتِنِي يَوْمًا

السَّطْرَ.

عُذْرًا سَيِّدَتِي،

ما جِئْتُكِ اليومَ مُعْتَذِرًا،

فَقَدْ بَلَغَ مِنِّي هَوَاكِ

فِي الاعْتِذارِ

مَا يَرْفَعُ الهَوَى قَدْرًا.

بقلم : 

 هيثم خليل بكري

الرجل الذي لا يراهن يخسر _بقلم الأديب /,عبد الرحيم الشويلي


 «الرَّجُلُ الَّذِي لَا يُرَاهِنُ يَخْسَرُ أَيْضًا، لَكِنَّهُ يَخْسَرُ وَهُوَ نَائِمٌ مُرْتَاحٌ.»

— وِل رُوجَرْز


قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ


لَمْ أَخْسَرْ بَعْدُ

كَانَ يُرَاهِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ لَا لِأَنَّهُ يُحِبُّ المَالَ، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَخَافُ الحَيَاةَ الَّتِي لَا يَضَعُ فِيهَا شَيْئًا عَلَى المَحَكِّ.

رَاهَنَ صَدِيقَهُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى عَدَدِ حَبَّاتِ البُرْتُقَالِ فِي السَّلَّةِ.

خَسِرَ.

قَالَ صَدِيقُهُ ضَاحِكًا:

— أَلَمْ تَتْعَبْ مِنَ الخَسَارَةِ؟

أَجَابَ:

— أَتْعَبُ مِنَ اليَقِينِ أَكْثَرَ.

ثُمَّ رَاهَنَ عَلَى أَنَّ النَّادِلَ سَيَضَعُ المِلْعَقَةَ إِلَى يَمِينِ فِنْجَانِهِ.

وَضَعَهَا إِلَى يَسَارِهِ.

خَسِرَ.

رَاهَنَ عَلَى أَنَّ ابْنَهُ سَيُكْمِلُ دِرَاسَتَهُ فِي الطِّبِّ.

تَرَكَ الطِّبَّ.

خَسِرَ.

رَاهَنَ عَلَى أَنَّ زَوْجَتَهُ سَتَبْقَى مَعَهُ إِلَى آخِرِ العُمْرِ.

تَرَكَتْهُ.

خَسِرَ.

فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَقُولُ الجُمْلَةَ نَفْسَهَا:

— لَمْ أَخْسَرْ بَعْدُ.

قَالَ لَهُ صَدِيقُهُ:

— مَاذَا بَقِيَ لَكَ لِتَخْسَرَهُ؟

وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ:

— هَذَا.

فَضَحِكَ صَدِيقُهُ:

— وَكَيْفَ تُرَاهِنُ عَلَى شَيْءٍ لَا تَمْلِكُ وَقْتَ اسْتِرْجَاعِهِ؟

قَالَ:

— لِأَنَّنِي إِنْ لَمْ أُرَاهِنْ عَلَيْهِ، فَأَنَا أَخْسَرُهُ مُسْبَقًا.

مَرَّتِ السِّنُونَ، وَأَكَلَتِ الخَسَائِرُ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ وَمَكَانَتِهِ وَأَصْدِقَائِهِ.

وفِي يَوْمٍ، دَخَلَ المُسْتَشْفَى.

قَالَ لَهُ الطَّبِيبُ:

— لَدَيْكَ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ.

ابْتَسَمَ.

— نَتَرَاهَنُ؟

نَظَرَ إِلَيْهِ الطَّبِيبُ مُسْتَغْرِبًا:

— عَلَى مَاذَا؟

قَالَ:

— أَنَا أُرَاهِنُ عَلَى أَنَّنِي سَأَخْرُجُ مِنْ هُنَا.

قَالَ الطَّبِيبُ:

— وَإِنْ خَسِرْتَ؟

ابْتَسَمَ الرَّجُلُ، وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ:

— حِينَ أَخْسَرُ... سَأُخْبِرُكَ.

خَرَجَ الطَّبِيبُ، وَأَغْلَقَ البَابَ.

فِي الصَّبَاحِ، وَجَدُوهُ مَيِّتًا.

وَحِينَ أَخْرَجُوا جُثْمَانَهُ مِنَ الغُرْفَةِ، وَجَدَ الطَّبِيبُ وَرَقَةً تَحْتَ الوِسَادَةِ.

فَتَحَهَا.

كَانَ مَكْتُوبًا فِيهَا:

«إِلَى الآن... لَمْ أَخْسَرْ بَعْدُ.

أَنَا فَقَطْ أُعِيدُ تَعْرِيفَ الرِّهَان.»

بقلم: 

د. عبد الرحيم الشويلي


أما من نافذة ؟ __ بقلم الأديبة/هادية السالمي دجبي


 أما من نافذة؟

 (قصّة قصيرة) 

بقلمي:هادية السالمي دجبي


فتحت عينيها الْمتورّمتين على صوت يهنّئها بالسّلامة وكفّ تلامس جبينها الْملتهب… 

إنّها هي! -قالت بصوت متلعثم - ذات الرّائحة.

خانتها يداها حين حاولت أن تشدّ على صدغيها… 

سالت من عينها دمعة ثمّ دمعة… 

بيديه مسح دمعتها وهو يقول:

-نسرين! لا تجهدي نفسك. ستكونين بخير. 

صرخت:

-في كفّك ذات الرّائحة الّتي كانت تحبس أنفاسي وأنا أجوب شوارع المدينة برفقة أبي… 

حقنها بمهدّئ.ثقل جفنها. أغمضت عينيها

والدّمع ظلّ ينساب على وسادتها… 

أرادت أنْ تتكلّم غير أنّ لسانها ما أنجدها 

فاستسلمت كرها لشريط أحداث تتزاحم 

في ذاكرتها… 

كانت سياط الْهجيرة تلفّ الْأعناق حين سحبها 

والدها من حضن أمّها وسار بها إلى خارج الدّار أملا في تغيير مزاجها بعد أنْ عجزت 

أمّها عن تهدئتها لمّا هرولت من غرفتها 

إلى الْمطبخ وهي تصيح :

-أمّي! احترق الطّعام . رائحة الْقدّيد الْمحروق 

تخنقني. 

ضمّتها أمّها إلى صدرها وهي تربّت على كتفيها قائلة:

ومن أين لنا بالْقدّيد يا نسرين؟ إنّنا لم نجتمع على مرق منذ زمن. ثمّ إنّنا لم نوقد نارا 

في الْمطبخ منذ الْأمس.

-ولكنّني أختنق برائحة الْقدّيد الْمحروق

 يا أمّي! 

-كفى هلوسةً نسرين! اشربي ماء. 

-وهل يطفئ الْماء رائحة الْقدّيد الْمحروق

 يا أمّي؟ 

-آه يا نسرين! كم أوجعنى كلام جارتنا قبل يومين وهي تخبرني أنّك طرقت بابها لتنبّهيها

إلى احتراق الْخبز في مطبخها وهي لا تملك

طحينا لتخبزه. 

-ولكنّني شممت يومها رائحة الْخبز الْمحروق

وأنا أمرّ بجانب مطبخها و… 

قاطعتها وهي تضمّها بشدّة إلى صدرها وتبلّل بفيض الدموع قميصها :

-كفّي نسرين عن الْهذيان. عودي

 إلى فراشك وخذي قسطا من الرّاحة.

-أيّ راحة يا أمّي وأنا أكاد ألفظ أنفاسي؟ 

رائحة الْقدّيد الْمحروق كَلاَليبُ تنغرس 

في حنجرتي … 

سارا في شوارع الْمدينة زمنا… كان يحدّثها 

عن شدّة الْحرّ والْحاجة إلى الْبحر ولطف نسيمه ، وكانت في كلّ مرّة تتوقّف عند منعطف وتسأله:

أبي! هل تشمّ رائحة الشواء؟ إنّه شواء متفحّم.

وفي كلّ مرّة يبتسم لها ويضمّها إلى صدره

ويخبرها أنّهما يقتربان من الْبحر وأنّها ستملأ

رئتيها بنسيمه وسيُبهجها صوت الْموج… 

وفيما هو يحدّثها عن الْبحر والْموج ورفرفة

النّوارس يشتدّ عليها الصّداع ، تثقل خطوتها

وتهوي من بين يديه… 

فجأة، يرتجّ جسمها ، تشخص عيناها، 

تحملق في الْغرفة، تشدّ على صدغيها وتصرخ:

-أما منْ نافذة؟ 

تمتدّ إليها ذات الْكفّ، تربّتُ على صدرها. 

والصّوت ذاته يطرق سمعها:

-اهدئي نسرين! ستكونين بخير. لقد ثبّتنا لك جِهازَ فَلْتَرةٍ للرّوائح في منطقة الْجيوب الْأنفية

ولن تزعجك الرّوائح بعد الْيوم.

ردّت وهي تشدّ على صدرها:

-ولكنّ رائحة اللّحم الْمتفحّم تملأ الْغرفة

 وتحبس أنفاسي. تخنقني كفّك الْممتدّة إليّ

ومنها تفوح رائحة اللّحم الْمتفحّم،حتّى أنّني

أرى دخانه يتسرّب من بين أصابعك 

ومن تحت أظافرك ، يملأ الْفضاء ويدمى 

أعيني…

همسة حب _بقلم الأديب الشاعر/ أحمد الرشيدي

 همسة حب """"""""""""" تقول حبيبتي: ​لكَ هيبة تمسي العبير بنفحة تلقي المودة...