الخميس، 24 سبتمبر 2026

صحوة الكون _بقلم الشاعرة اللبنانية / ساميا موسى عقيقي


صحوة الكون 


أنا لستُ هذا الجسدَ العابر في دربِ الزمانْ

أنا ذرةٌ هبطتْ من المجهولِ

ثمَّ استعادتِ المجهولَ في جسدِ إنسان


أنا قبسٌ من غيمةٍ كانتْ

تفتّشُ عن سماءْ

وحكايةٌ كتبتْ حروفَ بدايتها

في الرملِ

ثم مضتْ بلا عنوانْ


في داخلي

بحرٌ قديمٌ لا شواطئَ لهُ

وسرُّ مجرّةٍ

ما زال يجهلُ أينَ ينتهي

وأينَ يبدأُ فيَّ هذا الكونُ 

وهل يا ترى له كيان؟


أنا من ترابِ الأرضِ

لكنّي أحاورُ نجمةً

تسكنُ وراءَ حدودِ هذا الضوءِ

منذُ آلافِ السنينْ

أمدُّ كفَّ الروحِ

نحوَ غيابِها

فأرى يدي

تمتدُّ فيَّ إلى اليقينْ المبان


ما نحنُ إلا لحظةٌ

ارتدتْ ثيابَ الأبدْ

والعمرُ ليسَ سوى نغم عابرٍ

مرَّ على شفتي الوجودِ

ولم يجدْ ألحان


والوقتُ؟

ذلكَ الوهمُ الذي

يمشي بنا

ونظنُّ أنّا نمضي فيهِ

وأنّهُ يمضي بنا

حتى إذا انطفأتْ خطانا

اكتشفنا

أننا كنّا الطريقَ

وكان فينا المبتدأ والمنتهى 

والنقيضان


 كنتُ أبحثُ عن معنى الحياةِ

فأدركتُ أنَّ المعنى

ليسَ كلمةً تُقالْ

بل أن ترى

أن انكساركَ

ليسَ موتا

وأن بعضَ الدمار

يفتحُ في الروحِ مجالْ للبنيان 


وأنَّ كلَّ نهايةٍ

ما هيَ إلا

بابُ بدء آخرٍ

وأنَّ موتَ الكائنات

ليسَ سوى تبدّلِ الأشكالْ والأبدان


فأنا أنا

لكنني لستُ التي

عبرتْ هنا بالأمسِ

فالروحُ التي فيّ

تُبدّلُ جلدَها

كما تبدّلُ السماءُ

خرائطَ النجومِ

ولا تزالْ بوهجها الفتان


أمشي

وفي قدميَّ أعمار الذينَ مضوا

وفي دمي

صوتُ الذينَ سيولدونْ

وأحملُ الأرضَ الصغيرةَ

في دمي

وأحملُ المجرّاتِ التي

لم تُكتشفْ بعدُ

في عيونْ المكان


أنا ابنةُ هذا الكونِ

لكنّي

كلما حدّقتُ فيه

رأيتُه يسكنُ فيَّ

ثم يحدّقُ بي

كأنّي الزهرة

وهو البستان


فإذا انتهى صوتي

لا تقولوا:

غابتِ الأميرة

فالغيابُ قصيدةٌ أخرى

تبدأُ حين ينتهي المقالْ

وسحر البيان


ربما أصيرُ نجمةً

في ذاكرةِ الليلِ البعيدْ

أو قطرةً

أسقي جذورَ الأرضِ

ثم أنبتُ في مكانٍ

لا نراهُ 

أزهارا متعددة الألوان


وربما لن أعود شيء

وهذا اللاشيءُ

ليسَ فراغا

بل عودةُ السرِّ

إلى قديم الزمان

إلى خالق الأكوان


دعوني أمضي

فأنا لا أخافُ نهايتي

فالذي يودعَ في الترابِ

بدايةَ الربيع

لن يضيّعَ في الغيابِ

فبدايةَ الحياة

حين تصحو  من رهبة الصمت

وتنال مغفرة الرحمان


بقلم: 

د.ساميا موسى عقيقي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صحوة الكون _بقلم الشاعرة اللبنانية / ساميا موسى عقيقي

صحوة الكون  أنا لستُ هذا الجسدَ العابر في دربِ الزمانْ أنا ذرةٌ هبطتْ من المجهولِ ثمَّ استعادتِ المجهولَ في جسدِ إنسان أنا قبسٌ من غيمةٍ كان...