الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

كلب عضك / بقلم الأديب الأستاذ الدكتور /أحمد سلامة


كَلْبٌ عَضَّكَ؟ دَعْهُ وشأنَهُ واهْتَمَّ بِتَرْمِيمِ نَفْسِكَ


في هذا العالم المزدحم بالصخب والتناقضات، لا ينقصنا أبداً تكاثر الكلاب  ولا كثرة المتربصين؛ بل ما يعوزنا حقاً هو أولئك النبلاء الذين يعرفون كيف يتجاوزون أثر العضة بحكمةٍ بالغة، دون أن يتورطوا في الانحدار ليصبحوا مثلهم.


ولو قدر يوماً أن عضّك كلبٌ بشريّ في زحمة الدرب.. فافعل ما يمليه عليك التعقل: دعه يمضي ولا تلتفت. لا تضيع وقتك الثمين في البحث عن أسباب العضة، ولا تحاول جاهداً أن تفهم دوافعه النفسية المعقدة، ولا خلفياته الاجتماعية المريضة. لقد وقع المحتوم؛ حصلت العضة، وسال الدمع أو الجرح، وبات الوجع حقيقياً ماثلاً. لكن تذكر جيداً أن الأهم والأبقى هو  جرحُك أنت.. لا الكلب.


ركز كل طاقاتك في تطهير ألمك وعلاج نفسك، لا في الغرق بتحليل سلوك حيواني همجي. لأنك إن ساقتك رغبتك المحمومة لتركض خلفه كي تعضه كما عضك، فلن تبلغ شيئاً سوى خسارة إنسانيتك ووقارك، لتجد نفسك فجأة وقد دخلت حلبة نباحٍ لا أفق لها ولا انتهاء. وكلما حاولت جاهداً أن تثبت تفوقك وقوتك بالطريقة ذاتها، اكتشفت بحسرة أنك ما عدت تبتعد عنه شيئاً، بل تساويت معه تماماً في قاع الوحل.


إن العضة مهما بلغت قسوتها ليست نهاية المطاف؛ بل هي في ميزان الوعي امتحانٌ دقيق:


• هل ستُهدر أوقاتك الثمينة في الرد والانتقام الرخيص؟

• أم ستستثمر هذا الوجع في التعافي والارتقاء؟

• هل سترد النباح بالنباح لتملأ الدنيا ضجيجاً؟

• أم ستواجههم بصمتٍ شاهقٍ يجعل الكلب يهوهو وحده في العراء حتى يملّ ويزهق؟

ولنكن واعين حيال الحقيقة المرة؛ فأنا هنا لسنا بصدد الحديث عن الكلاب بمعناها الحيواني قط، بل أعني كل من اختار بوعيه أو بمرضه أن يعضّك؛ لأنك ببساطة شديدة تذكره دائماً بعجزه المستحكم، وتكشف أمامه مرآة حقيقية يعجز تماماً عن مواجهة قبح ما تقطنه. أولئك الذين يضمرون لك الكراهية بلا سبب معقول.. غالباً ما درسوك جيداً وأدركوا مقامك، لكنهم فشلوا ذليلاً في أن يكونوا مثلك، فاستسهلوا الأذى وقرروا «عضّك» بدلاً من أن يشمروا عن ساعدي الجد لمعالجة عوراتهم ونقصهم الدفين.

إذن.. دعهم في غيهم يعمهون.

واهتمَّ بكل ذرة في كيانك لترميمها.

وافظرها حكمةً خالدة في عمق الروح:

 

العضة ليست أبداً علامة ضعف أو هزيمة.. بل هي دعوة مقدسة للترميم. والترميم الحقيقي لا يعرف طريق الانتقام، لأنه في أصله وجوهره.. ارتقاءٌ نحو القمم.

بقلم :

أ. د. أحمد سلامة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كلب عضك / بقلم الأديب الأستاذ الدكتور /أحمد سلامة

كَلْبٌ عَضَّكَ؟ دَعْهُ وشأنَهُ واهْتَمَّ بِتَرْمِيمِ نَفْسِكَ في هذا العالم المزدحم بالصخب والتناقضات، لا ينقصنا أبداً تكاثر الكلاب  ولا كثر...