الثلاثاء، 28 يوليو 2026

(الحريق) قصة قصيرة /بقلم الأديبة السورية /ابتسام نصر الصالح


 قصة قصيرة 

بعنوان( الحريق)

(زمان القصة يعود إلى العام ٢٠٠٤)

بقلم: ابتسام نصر الصالح 


وصلت لما إلى مدرستها،  توجهت إلى غرفة المدرسات؛ ندهت عنها صرخة كبتتها. اتجهت إلى غرفة الإدارة، استقبلها المدير بكل ترحيب مبتسما؛ سألته:" أستاذ من فضلك، ما هذا الحريق في غرفة المدرسات؟ هالتني آثاره، عساه لم يصب أحد بأذى؟"

ابتسم المدير قائلا:" تفضلي اجلسي آنسة لما، لا تخش شيئا. الكل بخير. لم يتأذ أحد.  كنت أنت في إجازة البارحة، وحين حصل الحريق كانت المدرسات كلهن في الصفوف. تم إخماد الحريق بالتعاون بين الجميع، ولم نتركه يتسع. أما عن كتبك، فلها قصة غريبة أثارت فضولي، وأريد منك تفسيرا لها." 

- لما: تفضل، احك أستاذ، أثرت فضولي.

- المدير: حين شب الحريق؛ رأينا آذن المدرسة مازن وقد اندفع يريد الدخول إلى الغرفة؛ أمسكت به قائلا:" تريث قليلا، لناتي بما نطفئ به الحريق." 

وإذا به يقول لي:" لا يا أستاذ. هناك كتب الآنسة لما ويجب أن أنقذها بنفسي." واستطاع الإفلات من يدي، ودخل متحديا النار. أخرج كتبك من الخزانة الحديدية، كان سعيدا جدا أنه لم يصبها إلا بعض الحريق لأطرافها. لكن بقي لدي السؤال، أي سر في كتبك؟ ولماذا تتركينها في المدرسة؟ ألا تلزمك في تحضير دروسك؟ والسؤال الثاني: ما هو السر في كتبك الذي جعل مازن يتحدى النار وينقذها؟

- لما: أولا، وهذا الأهم أهنئكم بالسلامة جميعكم، وثانيا مهما شكرت مازن فهذا قليل عليه. أما السر فهو عنده، وليس عندي يا استاذ سامي. يمكنك سؤاله أو لا تسأله. أنا أقول لك، ذات يوم احتجت أحد الكتب وأنا بالصف ولم أرد أن أغادر القاعة، ومر مازن مصادفة  أمام الباب،  ناديته، فأتى. قلت له أنني أحتاج كتاب من خزانة غرفة المدرسات، وهو في الرف الأعلى، الدرج الرابع، من الجهة اليمنى، موجود أعلى الكتب. وفعلا أتاني به فشكرته، وهذا سر معرفته أن كتبي في الخزانة. أما لماذا أتركها هنا، ذلك لأنني كما تعلم، أسافر كل يوم من حمص إلى الريف لأصل إلى قريتكم. حيث مدرستنا،وصرت أخشى أن أنسى يوما الكتب، وأنا لا أحب أن أستعير من أحد الطلاب أو الطالبات كتابه حتى لا أحرمه من متابعتي، ووضع ملاحظاته على كتابه الخاص به. فاشتريت نسخة كتب لكل منهاج من مناهج الصفوف التي أدرسها، وضعتها في درج خزانة غرفة المدرسات، وتركت نسخة عندي في بيتي في المدينة، وبذلك أحضر دروسي، وأسافر مرتاحة من حمل الكتب إلى القرية، وأنا مطمئنة أنها في مكان آمن. 

ابتسم المدير قائلا: بوركت  يا آنسة لما. حقا أنت تعملين كل ما فيه مصلحة طلابنا. نادى على الآذن فأتى. 

- مازن مبتسما: صباح الخير آنسة لما. 

- لما: صباح النور مازن، تهاني الحارة بسلامتكم من الحريق. لا أعرف كيف اشكرك، ليس هناك كلام يفيك حقك على مخاطرتك بنفسك من أجل إنقاذ كتبي. لك جزيل الشكر والامتنان. لن أنسى لك هذا المعروف أبدا ما حييت. 

- مازن مبتسما : لا شكر على واجب آنسة لما. ويكفيني ما قلته؟ لا أريد اكثر من ذلك. 

المدير- حضر لنا القهوة يا مازن.

مازن: تكرم أستاذ سامي.  

عاد مازن يحمل تحت إبطه ثلاث كتب، وبين يديه صينية القهوة. وضع الصينية على الترابيزة أمام المدير، وقدم الكتب إلى الآنسة لما قائلا:" تفضلي هذه الأمانة قد وصلتك بسلام." 

ابتسمت لما قائلة: سلمت، وسلمت يداك يا مازن. كل الشكر لك. 

- مازن: تسلمي آنسة لما. هل تريد مني أي شيء أستاذ سامي؟ 

- المدير: سلامتك. شكرا لك. 

مرت السنوات، وانتهت سنوات خدمة الريف، وانتقلت الآنسة لما للتدريس في ثانوية في مدينة حمص. ذات يوم كانت تجلس مع صديقتها في حديقة الدبلان. تستمتعان بجوها اللطيف، وإذ برجل يتوقف أمامهما قائلا: آنسة لما!!!

- لما: استاذ سامي!!! يا أهلين وسهلين ما هذه المصادفة الجميلة. 

- الأستاذ سامي: أهلين بك يا آنسة لما التي لم ننسها يوما، ودائما نذكرك بكل خير. كيف أحوالك طمنيني عنك. 

- لما: أنا بخير ومرتاحة في مدرستي جدا وهذه صديقتي الآنسة ناريمان معلمة موسيقى. 

- الأستاذ سامي: تشرفنا آنسة ناريمان. 

ناريمان: لي الشرف بمعرفتك أستاذ سامي. لما دائما تحكي ذكرياتها الجميلة في قريتكم. 

- الأستاذ سامي: اتذكرين يا آنسة لما، حين سألتك عن سركما أنت ومازن؟

ابتسمت لما قائلة: أذكر جيدا.

- الأستاذ سامي: تمكنت أخيرا من معرفته، وحين حكاه لي مازن سألته: لماذا لم تقبل أن تحكيه لي، لولا إلحاحي الشديد وإصراري على معرفته؟!!! فأجابني:" أنا يا استاذ سامي اعتبرت أنه أمر لا يخصني وحدي، وإنما يخصنا نحن الإثنين. ولكني رضيت أخيرا وحكيته لك. تجاوزا، لأنني خشيت من زعلك مني." 

 والآن أتركك وزميلتك وأرجو لكما الهناء والسعادة. هل توصيني شيئا. 

- لما: أوصيك سلامي لكل كادر المدرسة، وخاصة مازن، وقل له أنني سامحته ببوحه بسرنا. ولكن أتمنى عليك أستاذ سامي، أن لا تبوح به لأحد. 

- أستاذ سامي: أعدك آنسة لما. بالإذن منكما. 

- لما وناريمان: رافقتك السلامة. 

غادر الأستاذ سامي؛ ضحكت ناريمان قائلة: هههههه، لديك سر مع مازن!!!! هيا اعترفي لي.

أخذت لما تقص على ناريمان قائلة: " قصة السر وما فيها هي.... وهكذا حكت لها كل شيء من البداية حتى قالت: أما مازن فهو آذن المدرسة وهو شاب عمره عشرين عاما. 

- ناريمان: ههههه، عشرين عاما!!!!

لما: ههههه، نعم، نعم.

- ناريمان: أكملي سر الفرعون رمسيس الثاني. 

لما: المهم، ذات يوم في وقت الفرصة، جاءت الآذنة أم أيهم وهي تحمل صينية الشاي، وضعتها لنا في غرفة المدرسات، وقالت لي بصوت خافت:" آنسه لما. مازن يريد أن يكلمك، إذا ممكن أن تأتي وتشربي الشاي معنا في غرفتنا." قلت لها: "فورا."

 وخرجت معها. هناك ونحن نشرب الشاي، قالت أم أيهم:" احكوا براحتكم، وأنا أقوم بترتيب الغرفة." 

 وقتها حكى لي مازن قائلا:" أنا يا آنسة لما، درست حتى الصف الثامن. ثم تركت المدرسة لأساعد أبي في العمل بالأرض،  ومنذ عامين تمكنت من الحصول على عمل بصفة آذن في هذه الثانوية، وبما أنني ابن القرية فأنا أوفر مصروف المواصلات، وبذلك أساعد أبي في مصروف البيت وبعد الدوام في المدرسة أذهب إليه في الأرض وأعاونه في عمله. ولكن الراتب قليل جدا ولذلك فكرت أن أدرس منهاج الصف التاسع وأتقدم للامتحان للحصول على الشهادة ( البروفيه.  شهادة التعليم الأساسي) المهم، بالنسبة لكافة المواد ليس عندي أي مشكلة فأنا متمكن من اللغة العربية وهذا يساعدني على فهم ودراسة كافة المواد، وإذا احتجت أي شرح فأخوتي يمكنهم أن يشرحوا لي ما يلزمني. لكن هناك مادة اللغة الفرنسية التي هي واحدة من مادتين يجب اختيار إحداهما لتقديمها في الامتحان، وانا اخترتها لأنني سمعت من الطلاب يشكرون أسلوبك الجميل في التدريس. لذلك جئتك أطلب مساعدتك بدروس تشرحينها لي في وقت الفرصة وحصص الفراغ عندك. لأتمكن من النجاح بالمادة ولو بالحد الأدن. وحين أحصل على شهادة التاسع، أتقدم بطلب تعديل درجتي الوظيفية إلى درجة أعلى، فيزيد راتبي. فماذا تقولين؟ وكل ما تريدينه انا مستعد أقدمه لك. لأنني طبعا لن آخذ دروسا مجانا." 

أجبته:" بكل سرور. هذا الطموح لديك أمر رائع وتستحق الاحترام عليه، ولذلك أنا سأعطيك الدروس بطريقة غير دروس الصف، يعني ستكون مختزلة لكل ما هو مهم وممكن أن يأتي منه أسئلة في الامتحان، وبذلك تتمكن من اجتياز امتحان اللغة بسهولة. أما بالنسبة لما أريده بالمقابل فهو طلب واحد، وأريدك أن تعدني بتحقيقه." أجابني:" أنا جاهز لأي طلب وموافق  مهما كان. أعدك بتنفيذه." 

قلت؛" أريد مقابل دروسي أن تعدني بالنجاح. هذا هو طلبي. ولا تحك عن أي شيء آخر.  اتفقنا.؟" 

أجابني:" اتفقنا." وفعلا درسته، وهو شاب ذكي وكان يلتقط المعلومة بسرعة، ويجيب على أسئلتي، وحين أنهينا المنهاج؛ قلت له أنني واثقة الآن أنه سينجح، وتمنيت له كل التوفيق. شكرني قائلا:" لن أنسى معروفك هذا ما حييت، آنسة لما." 

ومرت الأيام، وتقدم مازن للامتحان، نجح وحصل على الشهادة.  أخبرني وكان سعيدا جدا. وقال أن لي فضلا كبيرا عليه بنجاحه. و بدأ العام الدراسي الجديد، .............الخ ...وكما رأيت اليوم ومحض مصادفة التقينا الأستاذ سامي وتحدثنا. فما رأيك صديقتي؟" 

- ناريمان: سر جميل، ولكن ما يجعلني أستغرب، لماذا رفضت الكلام عن سر تضحية مازن من أجل كتبتك؟

- لما: سؤالك في محله يا عزيزتي. لو حكيت السر فأنا أنفي عن مازن صفة النبل وأنسب عمله إلى رد المعروف، ولكن إذا هو أراد الكلام فهذا نبل منه. 

********************************************

* ملاحظة:  آنسه( باللهحة السورية):  معلمة في المدارس والثانويات والمعاهد وكلمة ( آنسة ) تقابل كلمة (آبلة) في مصر أم الدنيا وأرض الكنانة. 

بقلم: ابتسام نصر الصالح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان استقالة أدبية ( قصة قصيرة )_بقلم الأديبة السورية / ابتسام نصر الصالح

  قصة قصيرة بعنوان:  (إعلان استقالة أديبة)  ارتطمت دماغ مجدولين بأسوار الرقابة؛ أحست بجروح في ذاكرتها؛ سالت ذكرياتها مذ كانت تركل جدار زنزان...