الخميس، 11 يونيو 2026

الفتاة التي أحبت _بقلم الأديب الكاتب /سامي محمود


الفتاة التي أحبَّت


جلست هُدى في مساءٍ بغداديٍّ هادئٍ على أريكتها الوثيرة في منزل والدها الكائن بحيِّ الزهور، تُطالع صفحات يومها كما يُطالع الحالمُ نجمةً بعيدةً في سماءٍ صافية. وكان النسيم ينساب من النافذة مُحمَّلًا بأريج الياسمين، فيما كانت عقارب الساعة تمضي بطيئةً كأنها تشاركها انتظارها الطويل.

وفجأةً دوَّى رنين الهاتف في أرجاء الغرفة، فارتجف قلبها قبل أن ترتجف أناملها، وأسرعت إلى سماعة الهاتف خشية أن تسبقها إليها أمُّها أو إحدى شقيقاتها.

قالت بصوتٍ خافتٍ:

— مَن المتحدِّث؟

فجاءها الصوت الذي كانت تحفظ نبراته كما تحفظ آيات الدعاء:

— أحمد.

وما إن سمعت اسمه حتى أشرقت ملامحها كأن الفجر قد بزغ في عينيها.

كان أحمد زميلها في كلية الطب، شابًّا عصاميًّا نشأ في بيتٍ متواضع، ولكنَّه كان يملك ثروةً لا تُقاس بالمال؛ ثروة الأخلاق والعلم والموهبة. وكان شاعرًا رقيق الحس، إذا تكلَّم أصغت إليه القلوب قبل الآذان.

منذ أن رأته واقفًا على منصة التكريم يوم فاز بجائزة الشعر الجامعي، شعرت بأن شيئًا جديدًا قد وُلد في أعماقها. يومها اقتربت منه لتهنئه، فتعثر لسانه، واضطربت كلماته، وبدا كأن جميع قصائده قد خانته أمام جمالها.

أما هي فقد انسحبت خجلةً، وقلبها يرفرف كطائرٍ وجد أخيرًا سماءه.

قال أحمد عبر الهاتف:

— يا هدى، لقد منحتني الحياة أشياء كثيرة، لكنها لم تمنحني ما منحته لي لحظة رؤيتك. إنني أكتب القصائد، ولكنني أعجز عن وصف ما أشعر به حين أسمع صوتك.

فأجابته:

— وأنا يا أحمد أراك أجمل ما أهدتني الأيام. إن القلوب الصادقة لا تُقاس بما تملك، بل بما تمنح.

واتفقا على اللقاء أمام الكلية.

وصلت هدى بسيارتها الفاخرة، وما إن وقعت عينا أحمد عليها حتى انقبض قلبه.

همس لنفسه:

— كيف يجتمع النهر بالبحر؟ وكيف يلتقي عالمها بعالمي؟

شعرت بما يجول في خاطره فقالت:

— ما الذي يُحزنك؟

أجابها وعيناه مثقلتان بالألم:

— كنت أظن أن بيننا طريقًا واحدًا، ثم اكتشفت أن بيننا مسافاتٍ صنعتها الطبقات والأموال والأسماء.

ابتسمت ابتسامةً امتزج فيها الحب بالعزم وقالت:

— الحب يا أحمد لا يعرف نسبًا ولا مالًا ولا جاهًا. إن القلوب حين تتلاقى تسقط جميع الحواجز.

كانت كلماتها بلسمًا انساب إلى جراحه، فأخذ بيدها ومشيا طويلًا في حديقة الجامعة تحت ظلال الأشجار.

هناك تحدَّثا عن أحلامهما الصغيرة؛ عن بيتٍ يملؤه الدفء، ومكتبةٍ عامرةٍ بالكتب، وأطفالٍ يركضون بين ضحكاتهما.

وفي مساءٍ آخر جلسا على ضفاف دجلة، وكانت الأضواء تنعكس على صفحة الماء كحبات لؤلؤٍ متناثرة.

قال أحمد:

— أخشى أن أفقدك.

فقالت وهي تنظر إلى النهر:

— ومن أحبَّ بقلبه لا يضيع. الحب الحقيقي وعدٌ بين روحين، لا بين ظرفين.

مرَّت الأعوام سريعًا، وجاء يوم التخرُّج.

لكن القدر كان يُعدُّ امتحانًا قاسيًا.

حين أخبرت هدى أمها بحبها لأحمد، بدت الأم مترددةً، فقد كانت تعرف أن الأب الوزير المنتمي إلى أسرةٍ عريقة لن يقبل بسهولةٍ بهذا الارتباط.

وفي مساءٍ ثقيل، عاد والدها إلى المنزل ومعه ضيوفٌ مرموقون.

كان بينهم دبلوماسيٌّ كبير جاء يطلب يدها لابنه.

وما إن سمعت الخبر حتى شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها، وسقطت مغشيًّا عليها.

كانت الصدمة أعنف من أن يحتملها قلبٌ عاش للحب وحده.

نُقلت إلى المستشفى، وهناك أعلن الأطباء إصابتها بشللٍ نادرٍ سببه الانهيار العصبي الحاد.

خمسة أعوامٍ كاملةٍ مرَّت بطيئةً كأنها خمسة قرون.

خلالها لم يتركها أحمد يومًا واحدًا.

كان يأتي سرًّا، يحمل إليها الزهور والكتب والرسائل.

يجلس إلى جوارها ساعاتٍ طويلةً يقرأ لها الشعر، ويحدثها عن الأمل، ويزرع في روحها بذور الحياة.

وكانت عيناه تقولان كل يوم:

"سأبقى."

وذات ليلةٍ مطيرةٍ سألته:

— لماذا لم ترحل؟

فأجابها:

— لأن الحب ليس نزهةً في أيام الربيع، بل عهدٌ يُختبر في مواسم العواصف.

ومع مرور الأيام بدأت هدى تستعيد عافيتها شيئًا فشيئًا.

وكان والدها يراقب كل شيءٍ في صمت.

رأى الشاب الذي رفضه المجتمع، لكنه لم يرفض حبيبته وهي عاجزة.

رأى الوفاء الذي لا يُشترى بالمال.

ورأى الرجولة في أنقى صورها.

لذلك قرر ذات صباح أن يذهب بنفسه إلى أحمد.

جلس أمامه طويلًا ثم قال:

— يا بني، لقد أخطأت حين ظننت أن قيمة الإنسان فيما يملك. اليوم أرى فيك ما لم أره في كثيرٍ من أصحاب الجاه والثروة.

ثم أمسك بيده وأضاف:

— تعال معي.

دخل أحمد غرفة هدى بصحبة والدها.

وحين رأته شعرت كأن الشمس قد أشرقت بعد ليلٍ طويل.

ابتسم الأب وقال:

— يا هدى... سلِّمي على خطيبك.

فانهمرت دموعها.

كانت دموع فرحٍ انتظرته أعوامًا.

وبعد أسابيع خرجت هدى من المستشفى.

كانت تستند إلى ذراع أحمد، بينما يسير والدها ووالدتها إلى جوارهما.

وانطلقت السيارة في طريقٍ جديدٍ تحفُّه الحدائق الخضراء والجداول الرقراقة.

وكانت بغداد تتلألأ خلفهما كعروسٍ تحتفل بميلاد قصةٍ جديدة.

قصةٍ أثبتت أن الحب الصادق لا يُهزم بالفقر، ولا تُطفئه المسافات، ولا تُسقطه الفوارق الاجتماعية.

فالقلب حين يُحب بصدقٍ يرى الإنسان بروحه، لا بماله، ويقيسه بوفائه، لا بمكانته.

وهكذا انتصر الحب، لا لأن الطريق كان سهلًا، بل لأن الوفاء كان أعظم من كل العقبات .

 بقلم: سامي محمود أحمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الفتاة التي أحبت _بقلم الأديب الكاتب /سامي محمود

الفتاة التي أحبَّت جلست هُدى في مساءٍ بغداديٍّ هادئٍ على أريكتها الوثيرة في منزل والدها الكائن بحيِّ الزهور، تُطالع صفحات يومها كما يُطالع ا...