الجمعة، 17 أبريل 2026

رحلت _بقلم الأديب السوري /عمر العلوش


 ( رحلت )


هناك خلف النافذة خيبة امرأة ، خدها يلتصق بزجاجها تلسعه برودة تجعله في خدر ، أبخرة أنفاسها تتكاثف على ذلك الزجاج ، ترسم بأصبعها فوق تلك الأبخرة ترسم خطوط متوازية مائلة متوالية ، سرعان ماتهطل فوق بعضها البعض كأنها ما كانت ، تحدق في شيءٍ لا يُرى وكأنها تحاول أن تجد في البعيد جواباً لم يأتِ في وقته.

ثم قالت دون أن تلتفت :

 ولو كنتَ تعلم هل كنتَ ستبقى ؟

ساد الصمت الصمت الذي يجعل كل كلمة لاحقة تبدو متأخرة

ليس صمتاً عادياً صمت الذي يُشبه اعترافاً مؤجلاً أو جرحاً لم يُسمح له أن ينزف ، صمت ولم يحاول أي منهما إنقاذه .

اقترب منها قليلاً ثم توقف ، كأن المسافة بينهما لم تعد تُقاس بخطوات بل بأعوام من الفقد وسوء الفهم .

وقال :

لو كنتُ أعلم ، هل كنتُ سأرحل؟

قالها بصوتٍ مكسور كأنه لا يسألها بقدر ما يسأل ما تبقى منه .

توقف كل شيء ، حتى أنه لم يعد يعرف إن كانت لحظة أم عمر كامل توقف فيه الزمن بينهما لحظة قصيرة تلك اللحظة التي لا تُقاس بالثواني بل بما تحمله من ندم متأخر .

ـ كنتُ أظنّ أن الرحيل حلّ ........

قالها وهو يبتلع بقايا صوته .

أجابت بهدوءٍ مُرهق :

وأنا كنتُ أظن أنك ستعود قبل أن يتحول الغياب إلى نزف لا يموت .

التفتت إليه أخيراً ، لم تكن النظرة قاسية بل كانت خالية من كل شيء ، لم يعد فيها لوم ولا عتاب ولا حتى شوق فقط هدوء بارد يشبه نهاية أبدية .

تعرف؟

أضافت..... وهي تُخفض عينيها قليلاً 

المشكلة لم تكن في أنك رحلت بل في أنك تأخرت في فهم لماذا فعلت .

ابتسم ابتسامة باهتة تلك التي تأتي حين يدرك الإنسان أنه خسر كل شيء .

ولو عاد بي الوقت.......قالها ، ثم سكت.

قاطعته بنبرةٍ خفيفة :

الوقت لا يعود نحن فقط نعود لنقف أمام وجعنا بشكلٍ أوضح .

ابتعدت عن النافذة ومضت نحو الباب.......مرّت بجانبه دون أن تلامسه ، كما لو أن بينهما تاريخاً لا يجوز لمسه.

وقبل أن تغلق الباب توقفت لحظة ، ثم قالت :

أحياناً........ لا نحتاج أن نعرف ماذا كان سيحدث لو بقينا

يكفي أننا رحلنا .

خرجت ......وبقي هو لا مع الندم فقط، بل مع ذلك السؤال الذي لن يجد له جواباً أبداً  لو كان يعلم… هل كان رحل 

 بقلم: عمر أحمد العلوش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أ تعرف _بقلم الشاعر العراقي / قاسم عبد العزيز الدوسري

أتعرفُ كيف احتميتُ من العاصفاتِ بظلِّ القصيدةِ حين تكسَّرَ في داخلي كلُّ بابٍ… ولم يبقَ غيري وغيري يلومُ السكونْ؟ وكيف احتمَلتُ صهيلَ الأسى ...