الأحد، 29 مارس 2026

نبيلة والاحتواء _بقلم الكاتب المصري /طارق غريب

 نبيلة والاحتواء   

غرفة بسيطة في بيت قديم بالقاهرة

كرسي خشبي عتيق يئن تحت الزمن 

صندوق خشبي قديم مغلق بمفتاح صدئ

طاولة صغيرة عليها مصباح زيتي خافت

وصورة باهتة معلقة على الحائط 

لامرأة شابة تبتسم ابتسامة متعبة

الإضاءة تبدأ خافتة وتتدرج مع تدفق الوعي الداخلي

نبيلة تدخل بخطى ثقيلة بطيئة 

تحمل حقيبة مليئة بأشياء غير مرئية

تضعها على الطاولة بإرهاق يفوق الجسد

تجلس على الكرسي

تنظر إلى الجمهور طويلاً كأنه 

مرآة حية تشهد على سرها الأعمق

صمت طويل ، ثم تتكلم بهدوء عميق

أنا نبيلة  

اسم يحمل في طياته معنى الرفعة والشرف

لكنه صار في حياتي تاجاً ثقيلاً يضغط على الرأس 

حتى ينحني الظهر

نبيلة التي يُتوقع منها أن تحتوي كل ما يأتيها

 الفرح القليل ، والحزن الكثير 

والأعباء التي يلقيها الآخرون في حضنها 

دون أن يلتفتوا إلى الشقوق التي تتسع 

في هذا الحضن يوماً بعد يوم

( تنظر إلى الجمهور طويلاً

تحرك يدها في الهواء بأصابع مرتجفة )

الاحتواء ، كلمة تبدو كالنسيم الرقيق

لكنها في حقيقتها بحر هائج بلا شاطئ

أحتوي إذن أنا موجودة

هذا هو الدرس الذي تلقته روحي منذ اللحظة الأولى 

التي فتحت فيها عيني على الدنيا

كنت الفتاة الكبرى في بيت يضيق بالهموم

كنت الوعاء الذي يصب فيه الجميع ما يثقل كاهلهم 

أمي بصوتها المتعب كانت تكرر : 

' أنتِ الكبيرة يا نبيلة ، فاحتوي إخوتك

واحتوي أباكِ واحتوي الصمت الذي يملأ البيت' 

وكنت أحتوي وأبتلع الدموع قبل أن تسيل

أحمل الصخور قبل أن تتدحرج

وأقنع نفسي أن هذا هو معنى الوجود

لكنني لم أسأل يومها : ومَن يصنع لي وعاء 

حين يمتلئ وعائي حتى يفيض وينفطر؟  

(تنهض ببطء ، تفتح الصندوق  

تخرج صورة طفلة صغيرة

تنظر إليها طويلاً ثم تتحدث إليها )

انظروا إلي هنا ، طفلة في الرابعة عشرة

عيونها واسعة مليئة بالأسئلة التي لم تُجب

أبي يعود من عمله مثقلاً بالعالم الخارجي

فيرمي كل ثقله علي ويجلس صامتاً

وأنا أجلس بجانبه وأحتوي صمته

أحتوي غضبه من حياة لم تُنصفه

أحتوي أحلامه التي ذبلت قبل أن تزهو

كنت أقول له في سري : 

' تعالَ يا أبي ، أنا هنا ، حضني واسع ' 

وكان حضني يتسع ، لكنه كان يضيق من الداخل 

( تضع الصورة جانباً بحنان )

ثم جاء الزواج ، فامتد الدور نفسه في مسرحية أكبر

كان زوجي رجلاً يبحث عن مأوى 

لا عن شريكة تسير بجانبه

كنتُ أحتوي أحلامه الفاشلة واحدة تلو الأخرى

أحتوي غضبه الذي ينفجر فجأة كبركان

أحتوي غيابه الطويل حتى حين كان جالساً أمامي

كل ليلة كنت أمد له يدي وأقول :

' تعال ، أنا هنا لأحتويك ' وفي كل مرة كنت أفعل ذلك 

كنت أترك قطعة من روحي تذوب في الهواء

حتى أصبحت فراغاً يحتوي فراغاً أكبر منه  

( تتحرك في المسرح بحركات تعبر عن الصراع

صوتها يتغير إيقاعه ليعكس تعدد الأصوات الداخلية )

أحتوي أبنائي ،  يا له من واجب مقدس! 

أحتوي صراخهم الأول حين ولدوا

أحتوي أسئلتهم عن العالم القاسي

أحتوي إخفاقاتهم في مدرسة الحياة

كنت أقف كالجبل أمام العاصفة ، أقول لهم : 

' لا تخافوا ، أنا هنا ، حضني يتسع لكم جميعاً ' 

لكنهم لم يروا أن الجبل كان يتآكل من الداخل

حبة حبة ، يوماً بعد يوم

المجتمع أيضاً كان يطالبني : 

' كوني قوية ، كوني صبورة ، كوني الوعاء الذي لا ينفطر '  

فكنت أحتوي نظرات الناس ، أحتوي توقعاتهم

أحتوي الصمت الاجتماعي الذي 

يخنق المرأة حين تطلب لنفسها شيئاً 

( تمسك المصباح ، ترفعه ببطء نحو وجهها 

الإضاءة تشتد تدريجياً )

ثم جاءت تلك الليلة الطويلة 

بعد أن غادر الزوج بحثاً عن سلام لم يجده

وبعد أن كبر الأبناء وابتعدوا يحملون قطعاً مني معهم

وبعد أن تفرق الأصدقاء بعد أن ألقوا أحمالهم وذهبوا

أقف وحيدة أمامكم

أنظر إلى وجهي الذي أمامكم فلا أجده يشبهني

وجه امرأة امتلأت بالعالم حتى فرغت من ذاتها تماماً

أسال نفسي في صمت عميق : 

متى كان آخر مرة احتويت فيها نفسي؟ 

متى احتضنت جروحي أنا وأحلامي المكبوتة

وخوفي من الفراغ الذي ينمو كلما أعطيت؟  

( تجلس على الأرض ، تحتضن ركبتيها 

صوتها يهبط إلى همس تأملي عميق يلامس أعماق الوجود )

أيها الذين يستمعون إلي الآن

الاحتواء الحقيقي لا يبدأ بالخارج أبداً

يبدأ من أعماق الذات

أن تحتضني خوفكِ من الوحدة

أن تحتضني ضعفكِ الذي أنكرته طوال العمر

أن تقفي أمام مرآتكِ وتقولي : 

' أنا كافية ، حتى لو لم يحتوِني أحد '  

الفراغ ليس عدواً يجب محاربته

إنه المكان الخصب الذي يمكن أن ينبت فيه 

وجود جديد أقوى وأصفى

( تنهض ببطء ، تعود إلى الصندوق 

تخرج الوردة الذابلة 

تمسكها بين يديها بحنان شديد 

حتى تبدو وكأنها تستعيد حياتها رمزياً )

الآن ، أفتح هذا الصندوق على مصراعيه

أنظر إلى الذكريات كلها : 

الدموع ، والابتسامات المتعبة والأحلام المعلقة

أرى أن الذبول ليس نهاية ، بل جزء من الدورة الكبرى للحياة 

أرى أن الفقدان باب واسع إلى ملء جديد

ملء لا يعتمد على أحد سوى النفس نفسها

أنا نبيلة ، لست بعد اليوم وعاء فارغاً 

ينتظر أن يملأه الآخرون 

أنا الذات التي اختارت أخيراً أن تحتوي نفسها

أن تحتضن جروحها 

أن تمنح نفسها الحب الذي أعطته للكون كله  

 تمد يدها بلطف نحو الجمهور

ابتسامة هادئة عميقة مليئة بالسلام تظهر على وجهها 

الإضاءة تتسع تدريجياً لتشمل الجمهور بأكمله

تنحني نبيلة انحناءة هادئة عميقة

تحمل الصندوق مفتوحاً بين يديها 

وتخرج بصمت يملؤه سلام داخلي عميق

ستار

بقلم :طارق غريب  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كم قتيل _بقلم الشاعر السوري /نادر أحمد طيبة

 كمْ قتيلٍ لحظُ عينيكَ وَدَا مُرَّ   بي     يا    وارداً  وردا مُرَّ نَنْهَلْ  ماءَ  غُدرانِ الهُدى باشتياقٍ    وحنينٍ    لاهبٍ مُرَّ  ليلاً...