الأحد، 14 يونيو 2026

خلف ستار الغموض _بقلم الكاتب و الإعلامي /عباس الصالحي


خلف ستار الغموض


هناك، خلف كل هذا الغموض، تقف كتلة من الوجع والصبر، وألف غرزة تحاول أن تمنع الجراح من الاتساع، وجرح هنا وآخر هناك.

ألم خفي لا يراه أحد، وحكايات صامتة لم تقال .

تقف جميعها خلف ذلك الستار الذي رسمت عليه ملامح الصمت والابتسامة واللامبالاة.

غموض ما هو إلا درع يحمي روحا أنهكها التعب، وقلبا تعلم أن يخبئ أوجاعه بعيدا عن أعين الآخرين.

نعم فخلف أكثر الوجوه هدوء قد تسكن أعنف العواصف.

فنحن جميعا كثيرا ما نخطئ حين نظن أن الصمت دليل راحة، أو أن الابتسامة برهان سعادة. 

فالبشر لا يحملون أرواحهم على وجوههم دائما، ولا يتركون جراحهم مكشوفة أمام المارة. 

هناك من أتقن فن إخفاء الألم حتى أصبح جزءا من شخصيته، ومن اعتاد أن يداوي نفسه بنفسه، حتى وهو يوشك على الانهيار.

إن الغموض الذي يحيط ببعض الأشخاص ليس تكبرا ولا تعاليا، بل هو في أحيان كثيرة حصيلة معارك طويلة خاضوها مع الحياة. 

معارك لم يكن فيها منتصر كامل ولا مهزوم كامل، بل إنسان خرج منها مثقلا بالتجارب، أكثر حذرا في منح ثقته، وأكثر ميلا إلى الاحتفاظ بما يشعر به داخل أعماقه.

فالإنسان حين يتكرر انكساره، لا يعود يبحث عن من يسمع قصته بقدر ما يبحث عن وسيلة تحمي ما تبقى من روحه. 

لذلك يبني حول نفسه أسوارا من الصمت، ويرتدي قناع اللامبالاة، ويجعل من الغموض لغة يتحدث بها مع العالم. 

ليس لأنه لا يشعر، بل لأنه يشعر أكثر مما ينبغي.

ولعل أكثر ما يرهق الروح أن تضطر إلى التظاهر بالقوة في الوقت الذي تكون فيه بأمس الحاجة إلى من يربت على كتفها. أن تبتسم بينما تعصف بك الذكريات، وأن تواصل السير بينما تحمل داخلك أوزانا من الحزن لا يراها أحد. 

وهنا يصبح الصبر بطولة صامتة لا يصفق لها أحد، ولا يكتب عنها أحد، لكنها أعظم من كثير من الانتصارات الظاهرة.

إن بعض الأرواح لا تريد الشفقة، ولا تبحث عن الأضواء، بل تتمنى فقط أن تجد من يفهم صمتها، ومن يدرك أن وراء الكلمات القليلة عالما كاملا من المشاعر. 

فليس كل من التزم الصمت بخير، وليس كل من ضحك سعيدا، وليس كل من بدا قويا قادرا على الاحتمال إلى ما لا نهاية.

وخلف ستار الغموض دائما توجد قصة.......

قد تكون قصة فقد أو خيبة، أو حلم تأخر كثيرا، أو وجع لم يجد من يصغي إليه. 

لكن الأكيد أن ذلك الغموض لم يولد من فراغ، بل صنعته الأيام حين علمت الإنسان أن بعض الجراح لا تروى، وبعض الدموع لا ترى، وبعض الآلام لا تجد لها لغة سوى الصمت.

لهذا، كن أكثر رحمة في أحكامك على الناس، وأكثر إنصافا في قراءتك لوجوههم. 

فربما كان الشخص الذي يبدو لك غامضا يحمل في داخله من الألم ما لو وزع على القلوب لأثقلها. 

وربما كانت ابتسامته الهادئة آخر ما تبقى له من قوة يقاوم بها عواصف الحياة.

وربما.. وربما.. وربما...... فلا تتسرع بالحكم على الاخرين من النظرة الاولى للوجوه.. فهناك الم خفي لا يعلم به الا صاحبة. 

........................ 

بقلم / الكاتب والاعلامي عباس الصالحي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كوني مذهلة _بقلم الشاعر /أنور شوشة

كوني مذهلة كوني مذهلة كوني مدللة كوني كالشمس مشرقة ومثل البدر في ليل الهوى متألقة كوني نسمة تهب على قلبي فتحيي ما ذبل من أزهاري كوني الحلم ا...