الجمعة، 13 مارس 2026

بين الرماد والقيامة _بقلم الشاعرة اللبنانية /غادة سلوم الحاج

 

بين الرماد والقيامة: فلسفة الانبعاث

ليست الحياة خطًّا مستقيمًا يمتدّ بين ميلادٍ وموت، بل هي دوائر من سقوطٍ وقيام، من انكسارٍ يعلّمنا معنى التماسك، ومن ظلامٍ يدرّب أعيننا على التقاط شرارة الضوء.


الإنسان لا يُقاس بعدد أنفاسه، بل بعدد المرّات التي احترق فيها ولم يتحوّل إلى رمادٍ داخلي. فالرماد الخارجي أهون من رماد الروح. وما أشدّ خسارة من يسير على قدميه وقلبه مطفأ!


في كلّ واحدٍ منّا حكاية فصولها غير متكافئة: شتاءٌ طويل يجرّ أذيال البرد، وصيفٌ عابر يترك على الجبين عرق السعي، وخريفٌ يعلّمنا كيف نتخلّى عمّا لم يعد يشبهنا. أمّا الربيع، فليس فصلًا زمنيًا، بل حالة وعي؛ لحظة ندرك فيها أنّ الألم لم يكن عقابًا، بل إعدادًا.


حين ينهار شيء في داخلنا، نظنّ أنّ النهاية قد كُتبت. لكن الحقيقة أنّ الانهيار أحيانًا هو الطريقة الوحيدة لإعادة التشكيل. كما تتصدّع الأرض لتُخرج ينابيعها، تتصدّع النفس لتُخرج حقيقتها. لا يولد النضج في مناطق الراحة، بل في تضاريس الوجع.


كم من تجربةٍ ظننّاها خسارة، فإذا بها تنقذنا من مسارٍ كان سيبدّد أعمارنا! وكم من بابٍ أُغلق بعنفٍ فحمى كرامتنا من انحناءةٍ لا تليق بنا! إنّ الحكمة لا تأتي من اكتمال الأشياء، بل من تكسّرها أمام أعيننا، ثم قبولنا بأن نلملم القطع دون أن نجلد ذواتنا.


الانبعاث ليس معجزة خارقة، بل قرار. قرار أن ننهض رغم التعب، أن نغفر رغم الخذلان، أن نؤمن رغم الشكّ. وهو أيضًا شجاعة الاعتراف بأننا لم نعد الأشخاص الذين كنّاهم، وأنّ التحوّل ليس خيانة للماضي، بل وفاءٌ للنمو.


في لحظة الصفاء، ندرك أنّ أعظم الانتصارات ليست تلك التي يصفّق لها الناس، بل تلك التي لا يراها أحد: انتصار الصبر على الانكسار، انتصار الرجاء على القنوط، انتصار الإيمان بأن في داخل كلّ ليلٍ بذرة فجر.


الحياة لا تعدنا بالطمأنينة الدائمة، لكنها تمنحنا القدرة على صناعة الطمأنينة وسط العاصفة. وما أسمى أن يتحوّل الإنسان من كائنٍ ينتظر الضوء إلى مصباحٍ صغير في دروب الآخرين.


فالانبعاث الحقيقي ليس أن نعود كما كنّا، بل أن نخرج من النار أكثر صفاءً، وأكثر فهمًا، وأكثر رحمة.


وهكذا، بين الرماد والقيامة، يولد الإنسان مرّاتٍ كثيرة…


حتى يتقن فنّ الحياة. 


✍ غادة سلوم الحاج 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سيدتي _بقلم الشاعر السوري / علي عمر

سيدتي لازال ذاك الرعد الصاخب  من شتاءات عينيك الباردتين  تلهو وتعبث بسماءات.أشواقي  تصفع خد المطر في علياء كبريائه وتجلد ظهر غيماته بسياط ري...