الأحد، 29 مارس 2026

براءة _بقلم الأديبة السورية/ ابتسام نصر الصالح


قصة قصيرة 

بعنوان : ( براءة)

براءة  في السابعة عشرة من عمرها، متعلقة بخالتها سامية وتحبها كما الصديقة، وخاصة أنها وحيدة لوالديها.

ذات يوم، ترافقتا في زيارة إلى بيت رنا صديقة سامية.

بدأ توافد الشابات إلى بيت رنا حيث تفتح الباب الخادمة السيرالنكية وترافقهن إلى الصالون، حيث تستقبلهن رنا. عبق المكان بعبارات الترحيب والسؤال عن الأحوال. أخيرا اكتمل اجتماع عشر شابات مع صاحبة الدعوة. رحبت رنا بهن قائلة:" مضى وقت طويل حتى أتى دوري باستقبالكن، لا تسعني الدنيا من فرحتي بكن، لحظة وأعود إليكن، وخرجت من الصالون. تبادلت سامية نظراتها مع بقية الصديقات وابتسامات تعلو وجوههن. أخذن يتبادلن الطرائف عن أجمل المواقف التي حصلت لهن خلال زيارتهن كل منتصف شهر إلى إحداهن. يذكرن أجمل الاستقبالات وأطيب الضيافات. عادت رنا برفقة السيرالنكية التي تحمل بين يديها صينية كبيرة، عليها إحدى عشرة كأسا كبيرة من البلور الشفاف. أشارت رنا للخادمة من أين تبدأ الضيافة، وبقيت واقفة. قدمت الخادمة كأسا لكل واحدة من الضيفات. ثم جلست رنا، فقدمت لها كأسا أخذتها ووضعتها أمامها وأشارت لها أن غادري. 

بدأت رنا حديثا شيقا عن آخر تقليعات الموضة، فانسجمت الصديقات بالحديث، وكانت سامية مستمتعة جدا، خاصة أنها فنانة تشكيلية وتهتم بالألوان، فكان دورها لتدلي بدلوها حين سألتها ريتا:" سامية، أنت بالتأكيد تتابعين الموضة هذه الأيام فما رأيك بألوانها الصاخبة جدا، هل هي توافق مزاجك الفني؟ هل تعجبك؟"

- سامية: أما فيما يخص الألوان، فأنا أعشق الألوان جميعها وخاصة حين تجتمع مع بعضها بانسجام.

- لينا: تماما، الانسجام أهم شيء، لكن أنا لاحظت أن ألوان الموضة ليس بينها انسجاما هذه الأيام، خاصة أنها اقتصرت على عدة ألوان فقط بينما انسحبت بقية الألوان من الحضور فيها.

- كارلا: كلامك يا لينا ذكرني بمقولة سمعتها يوما من رجل حكيم.

- لمياء: شوقتنا. ما هي هذه المقولة، لماذا سكت؟ انطقي هذه الجوهرة.

وضحكت لمياء وضحكت معها الصديقات.

- كارلا: ذات يوم كنت أحاور حكيما من زمن آبائنا حول نوعية ما يطرح في السوق من لوازم للناس وكنت أتساءل( لماذا السوق تعج ببضاعة أقل جودة بعد أن كان فيها بضاعة ممتازة؟ وكيف اختفت البضاعة الممتازة بهذه السرعة من الأسواق؟!!!) أجابني وابتسامة جميلة تملأ وجهه قائلا:" إذا وضعت أمامك صحن مكسرات وموالح، يحتوي على القضامة  والكاجو والفستق  والبندق وبزر دوار القمر والفستق الحلبي. فبأي  نوع من هذه التشكيلة  تبدئين بالترتيب؟"

فأجبته دون أي تفكير:" طبعا، سأبدأ بتناول  الفستق الحلبي وحين أنتهي منه سأتناول الكاجو ثم يأتي دور البندق وعندها سأكون مشبعة بما لذ وطاب وأترك بقية الموالح في الصحن شاكرة لك ضيافتك." 

ضحك الرجل الحكيم قائلا:" هذه حال السوق أيضا."

سألته مستغربة :" وما هي حال السوق؟"

عندها قال عبارته الحكيمة:" البضاعة السيئة تطرد البضاعة الجيدة من السوق." 

ضحكت الشابات. وعلقت براءة قائلة:"  أنا فهمت قول الحكيم وهو برأيي لا يقصد البضاعة الموجودة في السوق فقط ولكن كذلك كل شيء في الحياة دائما الأقل أهمية يطرد الأكثر أهمية من حياتنا."

أثنت الشابات على رأي براءة. 

وفي خضم هذا الحديث المفعم بحب الحياة والفرح، كانت الصديقات يرتشفن من الكؤوس التي أمامهن بهدوء؛ لم ينقص محتوى الكؤوس سوى قليلا جدا. 

نهضت رنا قائلة:" ما رأيكن؟ حان وقت القهوة."

أجابت الشابات معا:" حقا صار وقت القهوة." 

خرجت رنا من الصالون وعادت مع السيرالنكية وهي تحمل الصينية وأخذت تجمع عليها كؤوس البلور ثم خرجت برفقة رنا. 

ضحكت الصديقات وأخذن يقلدن رنا وخادمتها بحركات وعبارات هامسة.  

قالت براءة بصوت جهوري:" خالتو، ليش ضيفتني رنا كأس ماء؟ هل لأنني صغيرة؟" 

أجابتها سامية بصوت جهوري أيضا:" هل ما شربته كان ماء؟" 

- براءة:  بالتأكيد ماء.

سامية ضحكت قائلة:" وأنا يا حبيبتي شربت ماء وكنت أعتقد أن الخادمة قدمت شراب السفن للجميع وأن كأس الماء الوحيدة بالصينية كانت من حظي فخجلت ولم أتكلم." 

ضج المكان بضحكات متتالية؛ أعلنت كل واحدة من بقية الصديقات أنها كذلك شربت ماء معتقدة أنها الوحيدة صاحبة الحظ السيء بينما البقية يشربن السفن. 

قالت سامية:" لقد شربنا أسوأ مقلب."

-  سمية: لن تغير عاداتها السيئة، رنا لن تتغير وكلما جاء دورها في اجتماعنا عندها نشرب مقلبا جديدا.

- جودي: هههههههه،  لا ، ونحن ننسجم في أحاديثنا عندها وتشبعنا كلاما فننسى مقلبها في كل مرة.

- سلمى: رنا باعتبارها الوحيدة بيننا التي لديها خادمة، تعتبر أن الخادمة قيمة مضافة لها ولاستقبالها. كأنها تمن علينا أنه حين تقدم خادمتها الضيافة لنا فهذا يكفي مهما كانت ضيافتها.  

- ناجية:هههههه. ملكة بريطانية تسكب الطعام لضيوفها بيديها .  المشكلة أن رنا صديقتنا منذ طفولتنا، وهي لم  تتغير ولن تتغير.  إذا تخلينا عنها فلن تجد في هذا الزمن الصعب أية صديقة تتحمل بخلها وعدم لباقتها بالضيافة.

- كارلا: اسمعوني، سأعمل مقلبا مع هذه البخيلة وعليكن مؤازرتي جيدا . 

- الشابات : اتفقنا .

عادت رنا برفقة خادمتها وهي تحمل صينية عليها فناجين ممتلئة قهوة، فوضعت أمام كل شابة فنجانا. جلست رنا، فقدمت لها الخادمة فنجانا. أشارت لها رنا فخرجت من الصالون.

لحظات فقط، قالت كارلا:" شو هالقهوة مرة؟ كل مرة تنسين أنني أحب القهوة سكر وسط." 

- رنا: ولا يهمك حبيبتي كارلا. وخرجت مسرعة.

عادت مع الخادمة وهي تحمل صينية عليها علبة سكر وملعقة صغيرة. قالت رنا :" هيا أضيفي سكرا لفنجان كارلا كما تطلب منك." اقتربت الخادمة من كارلا. لكن كارلا ،اعترضت قائلة:" لا ، لا تضيفي سكرا على الفنجان. أنا أحب أن تغلي القهوة مع السكر هكذا أشربها سأرافقك إلى المطبخ لأقول لك كمية السكر المناسبة لي وأنت تغلين القهوة."

- لينا: وأنا كذلك أحب القهوة سكر وسط احسبي حسابي بفنجان جديد.

- لمياء: أما أنا فقهوتي حلوة اعملي لي قهوة جديدة.

- سامية:  وأنا قهوتي حلوة دلعة أريد فنجانا جديدا. 

- براءة: خالتو رنا لدي اقتراح يرضي الجميع ويريحك. ما رأيك؟" 

قالت رنا مبتسمة:" إي، ها، قولي رأيك. أريد حلا يرضي الجميع، حلا واحدا فقط.

براءة: خلي الخادمة تعمل ثلاث ركوات قهوة جديدة، واحدة قهوة حلوة والثانية قهوة سكر وسط والثالثة قهوة  دلعة. وهكذا تغلي القهوة مع السكر وترضي الجميع.

امتقع وجه رنا، وأشارت للخادمة وخرجتا معا إلى المطبخ.

تعانقت ضحكات بريئة راسمة غيمة فرح. 

- كارلا: شكرا لك براءة لقد انسجمت معي جيدا.

- ناجية: رائع،  ها قد شربت رنا المقلب.


*****  تنويه  : السفن: مشروب يتكون من مياه غازية له عدة أنواع تختلف حسب الطعم واللون ولكن نوعا واحدا منه شفاف مثل الماء لا لون له ولكن طعمه لذيذ وهو بارد. 

الموالح: هي عدة أنواع  وتشمل المكسرات أيضا. 

القضامة: هي من أنواع الموالح وهي عبارة عن الحمص  المحمص. 

بزر دوار القمر: هي بذور عباد الشمس . يسمى أيضا ميال الشمس.

الفستق: . ويسمى في بعض البلدان العربية ( فستق العبيد. أو فول سوداني أو سوداني. ) 

الكاجو :  هو بذرة فاكهة الكاجو والبذرة تنبثق من خصر فاكهة الكاجو معلنة عن نفسها بينما جزؤها الآخر يبقى داخل الثمرة( فاكهة الكاجو حجمها بحجم فاكهة السفرجل) . وأشجار الكاجو تنمو بغزارة في دولة جزر القمر ( وهي دولة عربية ) وتملأ شوارعها وهناك الناس يأكلون فاكهة الكاجو ويرمون البذور لكثرتها لديهم.

البندق: وهو ثمار شجرة البندق، وتنمو شجرة البندق في البلدان الباردة جدا وتكثر اشجارها في روسيا. واشتهر السنجاب بحبه لثمار البندق.

الفستق الحلبي: هو ثمار شجرة الفستق الحلبي[ تكون ثمار الفستق الحلبي بشكل عنقود فيه ثمار كثيرة. تتتدلى  عناقيدها من أغصان الشجرة ] وهو نوع من المكسرات له غلاف قاس ويؤكل نيئا حين يكون مازال طريا قبل أن تجف قشرته الخارجية .ثم يتم تحميصه ليكون نوعا من أنواع الموالح والمكسرات .موطنه مدينة حلب في سورية ولذلك سمي الفستق الحلبي. ( يستخدم في حشوة الحلويات العربية في سورية وفي كثير من أنواع الطعام ) .

شو هالقهوة مرة؟ ( باللهجة السورية): ما هذه القهوة طعمها مر ( بلا سكر)؟

إي ها ( باللهجة السورية) : هكذا ممتاز ، وهي علامة الموافقة والإعجاب. 

ليش؟ ( باللهجة السورية): لماذا؟ 

خالتو (باللهجة السورية): خالتي.

خلي  ( باللهجة السورية): دع أو اتركي. أو قولي أو اطلبي. [ حسب موقعها من الكلام].   

ركوة قهوة: ( باللهجة السورية): دولة قهوة أو دلة قهوة. 

 بقلم: ابتسام نصر الصالح 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كم قتيل _بقلم الشاعر السوري /نادر أحمد طيبة

 كمْ قتيلٍ لحظُ عينيكَ وَدَا مُرَّ   بي     يا    وارداً  وردا مُرَّ نَنْهَلْ  ماءَ  غُدرانِ الهُدى باشتياقٍ    وحنينٍ    لاهبٍ مُرَّ  ليلاً...