الخميس، 14 مايو 2026

همسات الليل _بقلم الشاعر السوري /يحيى حمد


همسات الليل

  *****

ها أنا ذا،

في ليلتي المئة... أسهر،

وحيدًا،

إلا من هذا الخيال.

نحن الاثنان فقط،

لا ثالثَ يقطع خلوتنا

سوى طيف ذكريات

وسجلاتٍ تعفّنتْ من فرط النسيان،

مركونة في زاوية الذاكرة المنسيّة،

تتسلل الآن، بغتةً،

أشباحًا تحاصرني،

أرواحًا ترافقني...

لستُ أدري،

أيّها الخيال، ما الذي اعتراك؟

إلى أيّ مدًى ستمضي بي؟

إلى أيّ هاوية؟


هذا الركن الضيّق،

أضيقُ من أن يتّسع لدخان سيجارتي،

فكيف وسعتَ فيه حبسي؟

روحي تتلوّى على حافّة الانفجار،

وقلبي يوشك ألاّ ينبض،

أيّها المتغطرس،

يا غرور العمر المحفور

على تضاريس وجهي الصبور...

أين أنا؟

ولماذا أنا؟

ثمّ، من أنا؟

ومن أنت؟

وكيف تسلّلتَ؟

بأيّ حقٍّ تأسرني،

تمتلكني،

تسرقني منّي،

ثمّ... إلى أين ستعيدني؟

بل... لماذا ستعيدني؟

وكيف بلغنا هذا المقام أصلًا؟

وأين هنا؟

ومَنْ هنا؟

لا... لا تمضِ في مزاحك الموجع،

فأنا لا أحبّ المزاح،

لا أحبّ المرح،

لا أحبّ الضحكات،

ولا أعرف للبسماتِ دربًا...


لكنّني، الآن...

أضحك.

أضحك حتى تخوم الجنون،

أضحك حتى ينسال الملحُ في فمي،

حتى تنهمر الحرارة على وجنتيّ

تحفر في الخدّين جداول،

وكأنّ سيلًا من لهيب

ينساب في إثر سيل...

أهكذا يكون الضحك؟

أهكذا يكون الفرح؟


أيّها الخيال،

تمهّل،

لنتناقش قليلًا.

هي ليلتنا المئة،

أفلا يحقّ لنا أن نستريح؟

أن نحتفل؟

أن نتقاسم تكاليف الاحتفال؟

سأقدّم لك النبيذ،

وقدّم لي أنت القليل من الهدوء...

دعني أتذوّق طعم السكون،

واشرب من نبيذي حتى الثمالة،

اسكَرْ،

لعلّك تنسى من أكون،

لعلّك تذرني... لأنام.


اشرب، واسكَر، واستمتع،

لا، لن أبخل،

بل سأزيدك،

سأطعمك طعامًا شهيًّا

صنعتُه من روحي،

كُلْ منه حتى الشبع،

واشرب حتى الارتواء...

فهل تمنحني ليلة سلام؟

يا خيالي الغالي...

أرجوك، وافق،

أرجوك، لا تكن طمّاعًا،

فلم يعد لديّ الآن

سوى روحي، وبعض نبيذ،

ألا يكفيك؟


توقّف، أرجوك،

وتمتّع بطعم انتصارك،

ودعني أنام قليلًا.

هي ليلتي المئة معك وحدك،

بكل إخلاص،

وحقٌّ لي إجازة مؤقتة،

وحقٌّ لك أن تستلذّ...

هيّا نبرم اتفاقنا،

وقّع هنا، تكرّم،

وسأبصم لك بالعشرة.


لنبدأ غدًا بالعدّ من جديد،

كما بدأنا في مئات الليالي الفائتة،

نبدأ من واحد،

واحد فقط،

ثمّ نكمل… مئة يوم جديدة.

هيّا، وقّع لي،

واتركني اليوم،

وعُد إليّ غدًا...


مع بقايا روحي...

وزجاجة النبيذ.

******

    بقلم الساهر : يحيى حمد 

نعم الساهر و ليس الشاعر هذه المرة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

همسات الليل _بقلم الشاعر السوري /يحيى حمد

همسات الليل   ***** ها أنا ذا، في ليلتي المئة... أسهر، وحيدًا، إلا من هذا الخيال. نحن الاثنان فقط، لا ثالثَ يقطع خلوتنا سوى طيف ذكريات وسجلا...