الخميس، 12 مارس 2026

فراشات الإبداع _بقلم الأديبة السورية ابتسام نصر الصالح


قصة قصيرة 

بعنوان: فراشات الإبداع 


نظرت كارلا إلى أقلام الرصاص الأربع المصطفة على يمينها؛ أحست أنها تغمطها حقها، منذ زمن لم تشاركها أفكارها. أمسكت بالمبراة وبدأت بترويض أول قلم وقعت يدها عليه. حركت يدها اليمنى بهدوء وقوة،  وثبتت بإحكام قبضة يدها اليسرى على المبراة؛ تشكلت فراشة جميلة؛ هبطت بهدوء على الكتاب الذي على الطاولة. تفحصت كارلا  القلم، وجدته مهندما ونظيفا مبتسما وسنته مشذبة وقوية،  معلنا جهوزيته مشاركتها معركة الإبداع. 

ابتسمت كارلا وسرحت بخيالها إلى أيام طفولتها، حين كانت في الصف الأول الابتدائي( كانت تطلب من أبيها أن يبري لها قلم الرصاص؛ يضع على الطاولة مبراة كبيرة  تشبه ماكينة خياطة مصغرة جدا، فيدخل قلم الرصاص في الثقب المخصص له ويمسك بالمباراة بيده اليسرى فيثبتها جيدا، وبيده اليمنى يحرك قبضة ساعد المبراة. بينما كارلا تنظر دهشة وهي ترى عبر بيت المبراة الزجاجي الشفاف هبوط فراشة جميلة  في قاع المبراة. تبتسم شاكرة أبيها حين يعطيها القلم قائلة:" يسلموا يداك بابا، ممكن آخذ الفراشة؟"

يضحك أبوها قائلا: "ممكن، لكن ممكن أعرف ما حاجتك بها؟" 

تجيب:" بابا أنا أجمع الفراشات، لأقوم بلصقها بالصمغ على دفتر الرسم؛ تصير لوحة جميلة. " 

يحتضنها والدها قائلا:" أحسنت يا حبيبتي، هذه فكرة جميلة." يفتح غطاء المبراة الزجاجي ويخرج الفراشة ويقدمها إلى كارلا قائلا:" افتحي يدك. ثم يضع الفراشة على راحة يدها.) 

دمعة نفرت من عينها؛ أعادتها إلى أقلامها؛ أمسكت بالقلم الثاني؛ بدأت محاولة تشذيبه؛ فوجئت بفتات الخشب تتناثر منه وتسقط قطعا من قلبه. تفحصت القلم فوجدت شقا في أعلاه. 

تساءلت عن السبب؛ تذكرت ذلك اليوم( حين قدمت قلم رصاص لوالدها وطلبت منه أن يبريه لها. أخذت تراقب البيت الزجاجي للمبراة تنتظر هطول الفراشة؛ فوجئت أن فتاتا من القلم وقطعا من قلبه قد سقط في قاع المبراة. اختفت ابتسامة كارلا وقتها وصمتت. بينما والدها، أخرج القلم من ثقب المبراة قائلا :" كارلا، حبيبتي لا تزعلي لم تتمكن المبراة من تشذيب قلمك. يبدو أنه قد تعطن أو أصابته رطوبة ما. لا تزعلي حبيبتي. الآن سأخرج لك قلم رصاص جديد من علبة الأقلام التي لدينا.) عادت كارلا إلى قلمها قائلة لنفسها:" تذكرت الآن أنني انا من تسببت بعطب قلم الرصاص الذي لم تتمكن المبراة من تشذيبه، كنت خجلة من بابا فلم أخبره أنني كنت أعض على رأس قلمي وأضعه في فمي حين كنت أشعر بالزعل أو الضيق من أي شيء. المبراة ذاتها التي انتجت الفراشة من القلم الجيد لم تتمكن من إنتاج غير الفتات من قلمي المعطوب. لا أدري لماذا ذهب تفكيري إلى نصوصي الأدبية. بعض النصوص تأخذ تقييما رائعا وتأخذ التقدير العالي والممتاز.ولكن بعضها الآخر يأخذ تقييما وتقديرا قليلا وعليه ملاحظات كثيرة جدا . رغم أن الناقد ذاته وهو ناقد موضوعي ومنطقي ويتخذ مقاييس رائعة جميلة وعقلانية وذات طابع أدبي راق .حقا فراشات الإبداع يلزمها مبراة ممتازة وقلم رصاص متماسك ومنسجم بين هيكله وقلبه؛ تتهاطل منه فراشات ملونة جميلة مختلفة الأشكال؛ تمتع النظر وتفرح القلب. " 


*** تنويه: لا تزعلي: باللهجة السورية تعني لا تتضايقي ولا تنزعجي. 

**** 

بقلم : ابتسام نصر الصالح 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سيدتي _بقلم الشاعر السوري / علي عمر

سيدتي لازال ذاك الرعد الصاخب  من شتاءات عينيك الباردتين  تلهو وتعبث بسماءات.أشواقي  تصفع خد المطر في علياء كبريائه وتجلد ظهر غيماته بسياط ري...