الأحد، 11 يناير 2026

البركان _ بقلم الأديبة السورية :ابتسام نصر الصالح


قصة قصيرة 

بعنوان: (البركان)

حرث غسان أرض بستانه بمعوله رغم التقدم الحضاري، فالمحراث الذي هو اختراع يعمل على المازوت ويسمى التراكتور لا يمكنه الوصول إلى بستانه، وإن وصل فلا يمكنه عبوره. لأنه عبارة عن قطع أرض صغيرة متفرقة يفصل بينها مدرجات فوق قمة أعلى جبل في بلاده. جاء الخريف فانتزعه من غفوته؛ استيقظ مع الفجر وزوجته روز ؛ عملا معا كل طقوس استيقاظهم المعتادة في هذا الوقت، ومع إشراقة الشمس استيقظ أطفالهم الثلاث يسار وروان وأيمن؛ جهزت روز الفطور للعائلة بينما غسان هيأ معوله وجهز شوال القمح الذي اعتزم أن يبذره في أرضه المحروثة. جاءه صوت زوجته هيا إلى الفطور . اجتمعت العائلة حول طبق كبير من قش سنابل القمح؛ صب غسان الشاي من إبريق كبير أزرق اللون عليه صورة طاووس ممهور بكلمات بالأحرف الصينية الكبيرة. وزعت روز الخبز على الجميع .بينما كانوا يأكلون خبز القمح مع زبدة حليب الغنم والبيض المقلي والجبن الأبيض  إضافة إلى الزيتون الأخضر واللبنة ، كانت الأم تعطي تعليماتها:" سنخرج أنا وأبوكم إلى الأرض لنبذر القمح، ابقوا في البيت فالجو بارد لديكم كتب اقرؤوا وتسلوا والعبوا كما تشاؤون . .....

في القرى المجاورة للجبل العالي والذي لا يقطنه سوى عائلة غسان، ارتاع الناس من صوت انفجار فظيع لم يسمعوا مثيلا له من قبل ورؤوا تصاعد النار صوب السماء  وتطاير الحمم إلى الأعلى ثم سقوطها في الأراضي المجاورة للجبل. صرخ الناس بركان، بركان. صرخت امرأة:" عائلة الجبل!!! أي مصير أودى بهم أي قدر أصابهم!!! عساهم ينجوا بحكمة من القدر .ترى هل نجوا ؟!!! أجابتها النسوة المتجمعات حولها:" وكيف لهم النجاة وهم كانوا يعيشون فوق فوهة البركان ؟!!!!

استمر البركان ينفث حممه لمدة ساعة كاملة ثم خمد تماما وبقيت الحمم تنفث الدخان بشكل مستمر إلى أن انهمر المطر غزيرا وكأنه شلال متدفق. 

دخل القرويون إلى بيوتهم وفي قلوبهم حزن ويأس من مصير عائلة الجبل.

طرقات على باب أحد المنازل.  خرج راكان من غرفة عائلته وركض صوب باب الدار الكبيرة؛ فتح الباب الخشبي وإذا برجل وامرأة وبصحبتهما ثلاثة أطفال. ابتسم راكان قائلا:" تفضلوا ادخلوا بسرعة " دخلت العائلة مع راكان إلى أرض الدار الكبيرة وركضوا معه إلى أن وصلوا غرفة. دفع راكان الباب قائلا :" لدينا ضيوف. ثم توقف في عتبة الغرفة قائلا : تفضلوا ادخلوا أهلا وسهلا بكم . دخلت العائلة وكل أفرادها ملابسهم غارقة بماء المطر، الرجل يحمل طفلين والمرأة تحمل طفلة وهي وزوجها وأطفالهما حفاة جميعهم . توقفوا في العتبة الحجرية؛ أسرعت سلوى وراكان  بالتقاط الأطفال من أحضان والديهما وأجلسوهم قرب موقد النار .وعادا إلى جانب عتبة الغرفة حيث جرة فخار كبيرة مليئة بماء الشرب؛ أخذ راكان يغرف الماء ويصب على قدمي ضيفه ويحثه قائلا:" لا تخجل افرك قدميك جيدا." وكذلك فعلت سلوى مع ضيفتها حتى أصبحت أقدام الضيفين نظيفة من الوحل فقدما لهما المناشف وطلبا منهما الجلوس بجانب أطفالهما . ثم أشارت سلوى لزوجها فخرجا معا إلى غرفة المعيشة وحاجات العائلة الخاصة؛ تشاورا سريعا؛ فتحت سلوى صندوق الملابس واختارت ما يناسب للمرأة والأطفال واختار راكان ما يناسب الرجل. حملوا الملابس وعادوا بسرعة إلى غرفة العائلة قدموا الملابس للعائلة الضيفة .قال راكان :" غيروا ملابسكم وملابس الأطفال ونحن سننتظر في غرفة المعيشة حتى تنتهوا . " حملت سلوى طفلتها وحمل راكان طفله وتركوا الغرفة للضيوف. 

في غرفة المعيشة تحدث راكان مع طفليه قائلا: " انتبهوا أنتما تفهمان جيدا ما أقوله، هذه العائلة لابد أنها تعرضت لأمر خطير جعلهم يتشردون من بيتهم في هذا المطر الغزير وبرد الخريف القارس. لقد أعطيناهم ملابسكم لأجل أطفالهم وأريد منكم أن تلعبوا معهم وتشاركوهم ألعابكم وكتبكم طالما هم في بيتنا وكذلك نتشارك معهم الطعام وحتى الأحذية المنزلية سنتركها للضيوف ونستخدم احذيتنا القديمة. والآن سنجهز طعاما وابريق شاي. ساعدوا أمكم في تجهيز الطعام وأنا سأبحث عن البيض في قن الدجاج."

خرج غسان من الغرفة وتكلم بصوت عال:" يا صاحب البيت لقد انتهينا من تبديل الملابس." عندها عادت سلوى إلى الغرفة وهي تحمل طبقا عليه طعاما وخبزا بينما كان راكان يحمل إبريق شاي وصينية فيها كؤوس صغيرة وضعهوها وعادوا إلى غرفة المؤونة حملوا طفليهما بسرعة وعادا بهما إلى الغرفة .  وعلى نار الموقد وضع راكان إبريق الشاي ووضعت سلوى تقلاية البيض. قالت سلوى:" أهلا بكم البيت بيتكم لا تخجلوا اطلبوا أي شيء تحتاجون إليه . أكيد سمعتم  ذلك البركان الذي تسبب بالخسائر في حقول الفلاحين وكذلك أدى إلى انهيار المدرسة تماما والقدر كان رحيما أنه لم يكن قد بدأ الدوام في مدرسة القرية وإلا كان جميع الأطفال ضحية البركان." " سأل الضيف" طمني هل جميع سكان القرى المجاورة لجبل البركان بخير ؟" 

- أجل الجميع بخير اقتصرت الخسائر على الحقول وبناء مدرسة القرية الذي هو غرفة واحدة فقط. 

 ابتسم غسان وروز قائلين :" لقد سررنا بهذه الأخبار وأن القدر كان رحيما بالجميع."

- صحيح ولكن مازالت أخبار العائلة التي كانت تقطن جبل البركان غائبة ولم نعلم مصيرهم وقد ساد الحزن والألم قلوبنا من أجلهم. وختم راكان قوله: وأتمنى أن يكون القدر رحيما بهم .

- ابتسمت روز قائلة:" حقا لقد كان القدر رحيما بهم جميعا .

- كيف علمت بذلك؟ سألتها سلوى.

- لأن البركان قذف قمة الجبل إلى مكان بعيد قبل أن يقذف حممه وكان أن احتضنتهم أرض محروثة جيدا فكانت حضنا طريا وآمنا لهم ولأطفالهم وقد فقدوا الوعي من حجم سقوطهم وحين استعادوا وعيهم وجدوا أنهم حفاة حملوا أطفالهم واندفعوا باتجاه القرية الأقرب إلى الحقل ولكن قبل وصولهم هطل مطر غزير فأسرعوا المسير في الوحل وحين وصلوا إلى أقرب منزل كان هو منزلكم."

تطلعت سلوى إلى زوجها وابتسما .نهض راكان وغسان وتصافحا وكذلك فعلت سلوى وروز وسالت دموع الفرح والأسى منهم جميعا.

قال راكان:" أجمل خبر سمعته الآن نجاتكم من البركان أعجوبة قدرية. خسرتم بيتكم وأرضكم ولكن نحن ربحنا صداقتكم، وأنتم الآن إخوتنا وستبقون معنا حتى نهيئ لكم أفضل بيت. اليوم أنا وأخي غسان ننام في غرفة المعيشة وتبقى النساء والأطفال ينامون جميعهم في غرفة العائلة الدافئة. مهما كان نحن الرجال لدينا قدرة على تحمل البرد أكثر منكم . أما السهرة ووجبات الطعام فنتشاركها جميعنا هنا . والآن تفضلوا السفرة جاهزة ."  

 بقلم

: ابتسام نصر الصالح 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سند الياسمين _بقلم د.ذكاء رشيد

​سند الياسمين ​هو مقصدي.. رجلي الوفي للروح ثوب.. وكذا معطفي نبضي الذي لم ولن ينطفي في همسه.. حبك دنيتي ​هو عمادي.. هو لي السند الصدق فيه ميث...