الأحد، 26 أكتوبر 2025

ما بعد الإنسان _بقلم الأديب اليمني نجم الدين الرفاعي


ما بعد الإنسان… حين تصبح الروح خارج التحديث


يبدو أننا نعيش أخطر مراحل التحول في التاريخ البشري، لا لأن الآلة باتت أذكى من الإنسان، بل لأن الإنسان بدأ يفقد الرغبة في أن يكون إنسانًا. لقد قبل، طوعًا أو خضوعًا، أن يُعاد تعريفه ككائن وظيفي ضمن نظامٍ أعظم، تُحدّد قيمته بقدر ما ينتج لا بقدر ما يشعر.


في خضمّ هذه الثورة الرقمية التي تتغنى بالذكاء الاصطناعي والواقع المعزّز، يُستبعد الوعي الطبيعي من المعادلة، ذلك الوعي الذي يُخطئ، ويتأمل، ويُحب، ويشعر بالخوف حين يرى المجهول. اليوم يُعامل الخطأ كخلل يجب إزالته، لا كدليلٍ على حياةٍ تنبض وتتعلم.


التحول الذي يُبشَّر به العالم ليس مجرد قفزة تقنية، بل قطيعة أنطولوجية بين "الإنسان" ككائن وجودي، و"الإنسان" كأداة ضمن منظومة الأداء. لم تعد المسألة صراعًا بين آلة وعقل، بل بين روح ونظام. بين سؤال الوجود وسؤال الإنتاج.


الكتّاب والإعلاميون انشغلوا بوصف التحول كإنجازٍ تقني أو خطرٍ رقمي، لكن أحدًا لم يسأل: من سيكتب الشعر حين يصمت القلب؟ من سيخاف من الظلام حين تنطفئ الروح؟

فالذكاء الصناعي لا يحلم، ولا يشتاق، ولا يندم، وهذه هي الأبعاد التي نُفقدها في صمت، ونحن نحتفل بذكائنا الجديد.


نحن في الحقيقة لا نعيش ثورةً تكنولوجية، بل انقراضًا وجدانيًا بطيئًا…

انقراض إنسانٍ كان يقيس العالم بالدهشة لا بالبيانات، ويبحث عن الله في السؤال لا في الخوارزمية.


لقد أصبحت "الصحو" مهمة بطولية في زمن "البرمجة"، وأخطر سؤال اليوم ليس: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟

بل: ماذا سيبقى فينا حين تنتهي من تعليمنا كيف نعيش بدوننا؟

بقلم :

نجم الدين الرفاعي 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

على أرصفة الوداع الأخير _بقلم الشاعر السوري /علي عمر

 على أرصفة الوداع الأخير يترنح العشق نحو غياهب مغيب  يلوي عنق النور  يفك أزرار قميص عتمة من دخان وضباب  على أرصفة الوداع الأخير  يخنق  ضجيج ...