لوحة ملغومة
تنظر من الإطار،شعرها هائش.
تحمل رضيعاً،يرمق شيئا ما.
جبهتها معقودة،حافرة أخاديد ومشيدة جسورا.
أماحك
الصورة بالتأمل.
عمرها لا يتعدى الثلاثين عاماً.
لكن شعرها خارج لتوه من دلو البودرة البيضاء.
تلبس جلباباً خشناً.
المس سطح الصورة حتى تصدق!
لا تظن بها الفجور.
الرضيع يتدثر فانلة من الصوف،وأسفل أنفه يسيح المخاط،وفوق رأسه طاقية من الصوف المشغول يدوياً.
يصخب أولادي،يصنعون مني مركزاً لدائرة لهوهم؛ربما أستمريء لعبهم!
يحثوني لمشاركتهم.
لا أفكر في مغادرة المكان،هرباً من الاندماج معهم.
من قبيل الإطناب عليك أن تعرف أن الصالة ضيقة،ولكنها تحتوينا.
صحيح ضيق المساحة يكبل حركتنا،ولكن الأمور ماشية.
أحيانا توترني الجدر الصماء،وأحيانا تتحرك ناثرة الأغبرة الجيرية.
شرعت أن أصنع منها مرسماً.
أسند الجدار برأسي،أدفس قدمي في الحائط المقابل،لأرسم زهوراً،أشجاراً،شمساً،وجوهاً من الوضع راقداً.
ها هي لوحتي،يداي تاهتا بين الخطوط،أناملي استبدت بالألوان.
أمست الألوان سوداء؛الوجوه مكفهرة،الأبدان مهزولة،والدموع رمادية.
لكن نظرات المرأة تخمدني،تركسني أسفل جبال الهم.
لماذا خلقتها أذن؟
ما الذي جعلك تقبض علي حفنة الألوان وتنفخ فيها من ريشتك؟
يا ربي كيف الفكاك من محيط عينيها؟
أأمزق الأوراق؟
أأحطم الأقلام؟
أأقتل الأولاد؟
أأهيم في الطرقات؟
في شعراتها الشعثاء خريطة لأرض كانت يوما ما دارها.
شفتاها مزمومتان،خداها متأججان،وفي بؤبؤي عينيها أشلاء،جحور جافة منطفئة.
وعنترها مصلوب علي الطرقات.
هزار عيالي يطفح كيله.
أنهرهم.
يدعون الامتثال.
حسام ذو السنوات السبع يقص راية ورقية،يلف،يدور،يصيح:
فلسطين.
وأحمد الذي يكبره بعام يمتشق مسدساً خشبياً.
ومحمد البكري يربط حول جيده حزاماً مفخخاً بالبلي،أود مشاركتهم اللعب،فالزجر لم يفد بعد!
الصغير- الذي في الصورة- يرمق جبلاً من فولاذ،لم يعرف له اسماً أو نعتاً.
يزغر هذا العملاق الذي يشخب في سيره،تتشابك الاسئلة:
أيخاف الرضيع؟
كيف تفجرت اللوحة عن هذا الولد؟
ثكلتك أمك !
أضاقت بك المشاهد لتطل علينا بهذا الطفل؟
ألا يوجد أطفال وجوههم نضرة،يضحكون فوق أسرة بيضاء كالحليب؟
أتبحث عن الأسى؟
لماذا لم تدع الألوان تذهب وتجيء حتى تنطق التهويمات؟
العملاق المجنزر يطارد الأم والرضيع.
عيالي اللاهثون تكسوهم سيماء الجد.
يرسمون نجمة سداسية،يمزقون أوصالها.
تحاول الأم دفع ربيب المهد خارج الأطار.
تصطك الأرض،إشعاعاتها تؤرقني.
أنكس الرأس أكثر،الأولاد يجلبون ورقة بيضاء،أثبتّها فوق الحامل،أرسم حناجرا ونيراناً.
لابسو الخوذات يقتحمون مرسمي.
ينثرون الألوان.
والعصي تشطر التكوينات.
وبدلا من قرص الشمس يركض حصان يمتطيه رجل الكايبوي،الجواد يتدثر السواد.
جميعهم يتركونني.
الحائط يزق الكنبة.
مقاعد البلاستيك تتماس مع أرفف مكتبتي.
تنزلق المجلدات.
تتكوم فوق بدني،لا شهيق ولا زفير.
أقاوم.
الأم مازلت تحتضن الرضيع.
تتراجع.
تتقدم.
الرضيع ينتفض.
يبتسم في وجهي.
يزيحون عن كاهلي أطنان الورق.
راعي الكايبوي يهرب من الصورة.
تمت بحمد الله
عصام الدين محمد أحمد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق