الجمعة، 17 يونيو 2022

الاستاذ عصام الدين محمد أحمد

 حماري

حملت مخلتي‏، وذهبت إلي حماري، أشكو إليه حالي.

انتصبت أذناه، ورفع رأسه،وعاف البرسيم المكوم أمامه، وأخذ ينهق.

‏ خفت علي نفسي الفزع فأطلقت ساقي للريح‏ .

لكنه يا سيدي لم يدعني أفلت‏.

انطلق خلفي كالرهوان ؛كاد يصرعني بحوافره‏، ولقف ياقتي بأسنانه‏.

‏ هنا نعيت عمري‏.

وكأنه رأف بي فتركني ،لأسترد أنفاسي المضطربة ،أو هكذا خمنت‏!

نفر في وجهي نفورًا، ابتللت برذاذه‏.

‏ نسيت أن أقول لك إن حماري نال درجة الدكتوراة برسالة "الزمان المهموز في علم النفوس "من جامعة السوربون الواقعة خلف عربخانة "العرايس" الكائنة في شارع قصر العيني،والمواجهة لدارالحكمة، لصاحبها مروج الإشاعات قبل قطع لسانه،صاحب الشكل المهندم،والملابس الغالية،يقال أنها جُلبت خصيصا من أرقى بيوت الأزياء العالمية.

اطمأن الحمار إلي وقوفي ،وترهل قدرتي علي الحركة، فقال‏:‏

"الحال عال العال‏،‏ والقاشية معدن‏،‏ والمشكلة فيك !"

أأدركت الآن أفق معرقة حماري؟‏!‏

استطرد حماري‏:‏

ألم تدخل الحمام؟

ألم تنم؟

ألم تداعب جسدك؟

وبالطبع أنت تعرف أنه أثناء كلامه انفلتت بقايا نسيج ياقتي من خشمه‏، وبدأ نفسي ينتظم ويتباطأ مما أسبغ على هيئتي الهدوء‏، ومن الأدب واللياقة الرد علي أسئلته،فقلت‏:‏

أقضي في الحمام الوقت المتمدد هاربًا من برامج التلفزيون ‏.‏

علي فكرة حماري يتشدق بلكنته الغربية.

لذلك تلمحني مدفوعاً لمخاطبته ببعض مصطلحاته .

شقتي كما تعلم صغيرة، حجرتان من غير صالة‏،وضيافتى للحمار مستبعدة تماما.‏

بال الحمار علي الأرض العفراء‏.

‏ صبرت عليه حتي فرعث مثانته‏.

زممت أنفي‏،‏ كدت أفطس‏، ففتحت فمي فتحا مبينا‏،‏ وفككت عن لساني قيوده‏:‏

أنام من المغرب وأحيانا من العصر تخلصًا من مطالب عيالي وأمهم التي لاتنفد‏.

تخيل أنهم بالأمس أصروا علي الأكل ثلاث مرات‏!!‏

أهرش جسمي عمال علي بطال‏،‏ فالبراغيث تُدمن طعم دمي الفاتح للشهية كالبراندي‏.‏

قرفص الحمار علي مؤخرته‏.

‏ تمرغ في التراب‏.

‏ عقص أذنيه،‏ تطوحت البردعة بعيدا‏.

تقلب علي الأرض حتي جلس علي البردعة‏، لعق لعابه ثم قال‏:‏

هذا الكلام الفارغ لا يرضي عنه دعاة التنوير؛ هذه النتيجة خلص إليها حمير هيجل وجون ستيوارت ميل وسارتر في مبحثهم المعنون ب "تهافت ذوات الأربع علي أحذية الكعب العالي" والمنشور في جريدة‏(‏ كرباج ورا‏)‏ وملحقها كتاب‏(‏ حلق حوش‏)‏.

ما الحل ياحمار الغبراء؟

كل المطلوب منك أن تتشبه بأولاد الذوات‏، الحكمدارية والباشوات ورواد مقاهي الاستاكوزا‏.

تصور النساء العاريات بفرشاة الشبق.

‏تستميل الجان والعفاريت.

اِنس جان فالجان سجين فيكتور هوجو.

أتفيد مثل هذه الحكايات؟

أضمن لك‏ خلال سنة واحدة نشر خمسة كتب،‏ وتصوير رواية في ال‏TV‏ وتشتري ياعم سيارة آخر موديل‏/‏ موديل مادونا‏.

الإعلام يا جحش سيتهمني بالسطحية.

‏هه..هه.. لو هاجمك واحد موتور‏،‏ ستجُند لك الصحف متهمة المجتمع بالتخلف، وفي برنامج بدون رقابة سننصب لك عرشًا في الحقول‏؛علي الأقل تشاركني الكلأ‏.‏

أسكت‏.

أعدل ياقتي‏.

لكن الحمار بن الحمار خشية النيل من قدره نهق نهيقاً مبحوحاً .

نبراتي تضطرد في الأرتفاع‏:

من الذي يصور طفل بيته الشارع؟

ربما أصابه  الهرم وهو مازال في المهد صبيًا‏!

يستحضر حكمة لفيلسوف لا يتذكر اسمه تحديدا:

للحياة ناموس لا تملك تغييره.

يزوم الحمار مولياً وجهه بعيدًا.

ألاحقه بخفوت:

من الذي يدندن بحواديت الغلابة؟

علق وقد شارف صبره على النفاد:

أتدعي أن بهذه الأرض غلابة؟

أناس جرشتهم خلاطات أسمنت الأثرياء.

يهز رأسه،تجحظ عيناه:

دعك من الأدب والسفسطة،امتهن حرفة أخرى.

استدار الحمار عائدا.

جريت خلفه لأواجهه‏.

الظاهر أنه لمح إتانا تجر عربة محملة بالكتب،تتهادى في سيرها وكأنها تنتظر قدومه، لم ينطق بحرف‏،كأنه يجهز لعراك ورد ذكره في كتاب "أدب رخيص" لمؤلفه بوكوفسكي ،فقلت له‏:‏

عموما سأرسل هذه الحوار إلي عصبة الحمير بجنيف، فأدار جسده الناحل كالبهلوان ورفسني‏(‏ بالجوز‏).

وما هي إلا لحظات وتطايرت الكتب،العربجي يتط يمينا ويسارا كالأرجوز،لا يدري ماذا يفعل،مما دعاني لمغادرة الشارع،محاولا الربت على الكدمات التي لحقت بي.

تمت بحمد الله

عصام الدين محمد أحمد



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

في الطريق _بقلم الشاعرة المصرية /أمينة عبده

 في الطريق .. ألتقينا كل في طريق معاكس  أنا أمامه لا أسطيع الحراك أرى وجه صامت .. حزين  وكأن الحياة فارقته .. نظر لي وتحدثت عيناه أين كنتِ ....