الأربعاء، 15 يونيو 2022

الطبع غلاب /الشاعر خالد الجلاصي

عَنْتَرَةٌ بْنُ شَدَّادِ بْنُ قُرَادِ العبسيّ (525م - 608م)، فارِس عَربي يُعَد من أشهر شعراء فََترة ما قبل الإسلام.


ولد عنترة في الجزيرة العربية في الربع الأول من القرن السادس الميلادي  ، وبالاستناد إلى أخباره، واشتراكه في حرب داحس و الغبراء قد عاصر كلّ من عمرو بن معد و الحطيئة و كلاهما أدرك فجر الإسلام


وُلد عنترة لأب عربيّ وأمّ حبشيّة يقال لها زبيبة أُسرت في هجمة على قافلتها وأعجب بها  والده  شداد، فجاء مختلفاً عن بقية أقرانه في ضخامة خلقته وعبوس وجهه وتلفلف شعره وكبر شدقيه وصلابة عظامه وشدة منكبيه وطول قامته وشبه خلقته لأبيه، و الثابت لدى العرب أنّ له أخوين هما جرير و شيبوب.


ذاق عنترة مرارة الحرمان وشظف العيش ومهانة الدار لأن أباه لم يستلحقه بنسبه، فقد كان أبوه هو سيده، يعاقبه أشد العقاب على ما يقترفه من هنات، وكانت سمية زوجة أبيه تدس له عند أبيه وتحوك له المكائد، ومن ذلك أنها حرشت عليه أباه مرة، وقالت له: «إن عنترة يراودني عن نفسي». فغضب أبوه غضباً شديداً وعصفت برأسه حميته، فضربه ضرباً مبرحاً بالعصا وأتبعها بالسيف، ولكن سمية أدركتها الرحمة في النهاية فارتمت عليه باكية تمنع ضربات أبيه، فرقّ أبوه وكفّ عنه. فاعتبر عنترة بشعر يقول فيه


أَمِن سُهَيَّةَ دَمعُ العَينِ تَذريفُ

لَو أَنَّ ذا مِنكِ قَبلَ اليَومِ مَعروفُ


كَأَنَّها يَومَ صَدَّت ما تُكَلِّمُني

ظَبيٌ بِعُسفانَ ساجي الطَرفِ مَطروفُ


تَجَلَّلَتنِيَ إِذ أَهوى العَصا قِبَلي

كَأَنَّها صَنَمٌ يُعتادُ مَعكوفُ


المالُ مالُكُمُ وَالعَبدُ عَبدُكُمُ

فَهَل عَذابُكَ عَنّي اليَومَ مَصروفُ


تَنسى بَلائي إِذا ما غارَةٌ لَقِحَت

تَخرُجُ مِنها الطُوالاتُ السَراعيفُ


يَخرُجنَ مِنها وَقَد بُلَّت رَحائِلُها

بِالماءِ يَركُضُها المُردُ الغَطاريفُ


قَد أَطعُنُ الطَعنَةَ النَجلاءَ عَن عُرُضٍ

تَصفَرُّ كَفُّ أَخيها وَهوَ مَنزوفُ


لا شَكَّ لِلمَرءِ أَنَّ الدَهرَ ذو خُلُفٍ

فيهِ تَفَرَّقَ ذو إِلفٍ وَمَألوفُ


و صادف  أن قبيلة طيء أغارت على علس في ثأر لها، إذ سبق لقبيلة عبس أن غزتها واستاقت إبلها، وكان عنترة مع بني قومه في حومة النزال، ولكنه اشترك مدافعاً لا مهاجماً، وسبب ذلك ما روي أنه شارك من قبل في غزو طيء، ولكنهم بخسوه حقه في الغنائم، إذ فرضوا له نصيب العبد منها وهو النصف فأبى، ومن ثم تقاعس عن الخوض في المعركة. واشتد الخطب على بني عبس حتى كادت أن تُسلب خيراتها وتدور عليها الدوائر، وحينئذ صاح بعنترة أبوه قائلاً: «كُرّ يا عنترة!»، فأجاب عنترة على النداء: «لا يحسن العبد الكر إلا الحلاب والصر». وفي تلك اللحظة لم يجد أبوه بدلاً من أن يمنحه اعتباره فصاح به: «كُرّ وأنت حر». فكرّ عنترة وراح يهاجم وهو ينشد:


أنا الهَجِينُ عَنْتَرَه ...

كلُّ امرئٍ يَحْمِي حِرَه ...


أَسْوَدَهُ وَأَحْمَرَهْ ...

والشَّعَرَاتِ المُشْعَرَه ...


و قد ماثلها في أبيات أخرى


إِنّي أَنا عَنتَرَةَ الهَجينُ

فَجُّ الأَتانِ قَد عَلا الأَنينُ


يُحصَدُ فيهِ الكَفُّ وَالوَتينُ

مِن وَقعِ سَيفي سَقَطَ الجَنينُ


عِندَكُمُ مِن ذَلِكَ اليَقينُ

عَبلَةُ قَومي تَرَكِ العُيونُ


فَيَشتَفي مِمّا بِهِ الحَزينُ

دارَت عَلى القَومِ رَحى المَنونِ


 أشتهرَ بِشعر الفُروسية، وبِغَزلهِ العَفيف مَع مَعشوقَته عبلة، ولهُ معلقة مشهورة مطلعها 


هَل غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ

أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ


يا دارَ عَبلَةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمي

وَعَمي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاِسلَمي


وَ هَاتِهِ بَـعْـضُ أَبْـيَـاتٍ الَّتِـي دَلَّتْـنَـا حُـزْنَـهُ فِي البُعْدِ وَ الهِجْـرَانِ


يا طائِرَ البانِ قَد هَيَّجتَ أَشجاني

وَزِدتَني طَرَباً يا طائِرَ البانِ


إِن كُنتَ تَندُبُ إِلفاً قَد فُجِعتَ بِهِ

فَقَد شَجاكَ الَّذي بِالبَينِ أَشجاني


زِدني مِنَ النَوحِ وَاِسعِدني عَلى حَزَني

حَتّى تَرى عَجَباً مِن فَيضِ أَجفاني


فَـأَمَـلْـتُ الـحَرْفَ مُـجَـارَاةً لِـهَــاتِـهِ الأَبْـيَـاتِ عَـلَـى بَحْـرِ الـبَسيـطِ بَـسَـاطَـةَ صَـاحِـبِي عَـلَّـهَـا تُـبَـلِّـغُ مَـا قَـدْ ٱعْـتَـرَى رُوحَـهُ فِـي خُـلْـوَةِ مَـلْـزُومٍ بِـحُـزْنِـهِ وَ وِحْـدَتِـهِ


"الـطَّـبْـعُ غَـلَّابُ"


لَا غَـابَ فِي الأَسْـحَــــارِ طَــيْــرُكَ الـدَّانِــي 

فِـي جِذْعِ مَـنْ رَقَّــقَ الأَنْــسَــامَ لِـلْـحَـانِـي


وَ لَا عَـفَـى مُـعْـتَــلِـي السَّـحَــابِ إِذْ وَلَّـــى

أَحْــلَامَ مَــحْـــزُونٍ مَــوْتُــــورَ أَلْـــحَــانِــي


فِي جُـودِ مَــا بَـــاحَــتْ لِلْـعَـــيْـنِ أَيَّــــــامٌ

مَـا ٱغْـتَـابَ الـرِّيــحَ لَوْ كَانَ الهَوَى الثَّانِــي


وَ مَـا سَـلَا الـشَّــوقَ فِي حَـضْــرَةِ الـخِــلِّ

وَ إِنْ طَــوَاهُ الـجُـــرْحُ قَـدْ صَـفَـــا الرَّانِـي


فِي عَـــيْــشِــهِ الأَلْــوَانَ خَـــيَّــــرَ الـوَجْـدَ

وَ الـلَّـيْـلُ غَـطَّـى سَـوَادُهُ الـفَـتَى الجَانِـي


بِالـعُــرْبِ عَـــانَـــى الأَمَــرَّيْـــنِ إِذْ جَـادُوا

فِـي بُـعْــدِ بَـطْـشِ سَـيَّـافٍ نَـهَـى الـعَانِـي


وَ الـطَّـبْـعُ غَـلَّابُ مَــا مَـاحَتْ بِهِ النَّـفْـسُ

إِذَا غَــوَى مَـنْ خَـــالَ قُـــرْبَـــهُ الــغَـانِــي


يَا بَـاسِـطًا شَجَـنِـي فِـي النَّوَى المُـضْنِـي

بِـصَـوْتِـهِ الـمُـغْـنِـي لَـوْ طَـالَ عُــنْــوَانِــي


إِذَا طَــفَـتْ عَـبْـرَاتُ الـجَفْـنِ فِـي كَـدْرِي

خَـفَـى جَـنَـاحُـهُ بِالـرِّيـشَــاتِ تِـبْــيَـانِــي


حَـتَّـى تَـفِـي أَوْهَــامُ الـعَـبْـدِ مَـا حَــلَّــى

بِالـنَّــارِ سُـودَ الـعَـيْـشِ دُونَ خِـــلَّانِــــي


فَعَـتْمُ لَــوْنِـي قَـدْ أَشْـقَـى فَـتَى عَـبْــسٍ

وَ فَـكُّ قَـيْـدِي مَـا ٱسْــتَـبْـدَلَ الــمَــانِــي


فَإنْ خَـفَـوْا طَـرْفَ عَـبْـلَـةٍ رَفَــا الرِّيــشُ

مِنْ طَيْرِ أَشْوَاقِي وَ الـحُـلْـمُ أَحْــيَـانِــي


بِدَارِ مَـنْ مَــــــدَّتْ فُــــــــؤَادَ رَمَّــــــاحٍ

يُـرَاقِـصُ الـمَـوْتَ الَّـذِي غَالَـبَ الفَــانِـي


وَ مَـدُّهَــا مَـا فَـاقَ الـقُـرْبَ إِنْ جَــلَّــتْ

حُــرًّا يُــنَــاوِلُ حَــدَّ السَّـيْـفِ لِلْــوَانِــي


د. خالد الجلاصي


13:52

13/06/2022

*


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

في الطريق _بقلم الشاعرة المصرية /أمينة عبده

 في الطريق .. ألتقينا كل في طريق معاكس  أنا أمامه لا أسطيع الحراك أرى وجه صامت .. حزين  وكأن الحياة فارقته .. نظر لي وتحدثت عيناه أين كنتِ ....