الجمعة، 24 أبريل 2026

الفرق _بقلم الكاتب / عبد الرحيم الشويلي


“الفرق بين القط والإنسان هو أنَّك إذا أطْعمتَ قِطًّا جائِعًا، فلن يعضك… وهذا هو الفرق الجوهري.”

مارك توين


قصة قصيرة


أَسْنَانُ القِطِّ… لا تَخُون...!!.


فِي مَدِينَةٍ كَانَتْ تُطْعِمُ ظِلَالَهَا،

كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يُوَزِّعُ الخُبْزَ عَلَى الوُجُوهِ… لَا عَلَى الأَفْوَاهِ.

كُلَّمَا أَطْعَمَ أَحَدًا،

كَبُرَتْ يَدَاهُ… حَتَّى صَارَتَا أَثْقَلَ مِنْ أَنْ تُحْمَلَا،

لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ.

كَانَ يَرَى فِي عُيُونِهِمُ امْتِلَاءً غَرِيبًا،

لَيْسَ شِبَعًا… بَلْ شَيْئًا يُشْبِهُ الادِّخَار.

وَفِي لَيْلَةٍ بِلَا قَمَرٍ،

اسْتَيْقَظَ جَائِعًا…

جُوعٌ لَا يُشْبِهُ الجُوعَ،

كَأَنَّ رُوحَهُ تُقَشَّرُ مِنَ الدَّاخِلِ.

خَرَجَ يَبْحَثُ عَنْهُمْ…

فَوَجَدَهُمْ.

لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَمَا تَرَكَهُمْ—

كَانَتْ أَفْوَاهُهُمْ أَكْبَرَ،

وَأَسْنَانُهُمْ أَوْضَحَ،

وَأَيْدِيهِمْ تَخْتَبِئُ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهَا تُخْفِي شَيْئًا.

اقْتَرَبَ مِنْهُمْ…

مَدَّ يَدَهُ…

لَا لِيَأْخُذَ،

بَلْ لِيَتَذَكَّرَ شَكْلَ العَطَاءِ.

عِنْدَهَا فَقَطْ…

انْحَنَتِ الوُجُوهُ نَحْوَهُ،

لَيْسَ امْتِنَانًا…

بَلْ كَأَنَّهَا تَتَذَوَّقُ مَا تَبَقَّى مِنْهُ.

لَمْ يَصْرُخُوا،

لَمْ يَغْضَبُوا،

لَمْ يُبَرِّرُوا…

فَقَطْ… أَخَذُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُعْطِيهِ لَهُمْ.

شَيْئًا فَشَيْئًا،

بَدَأَ يَتَنَاقَصُ—

لَيْسَ جَسَدًا… بَلْ مَعْنًى.

وَحِينَ كَادَ يَخْتَفِي،

رَأَى ظِلَّهُ وَاقِفًا بَعِيدًا،

يَحْمِلُ قِطْعَةَ خُبْزٍ لَمْ يُعْطِهَا لِأَحَدٍ.

تَبِعَهُ…

حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَابٍ ضَيِّقٍ،

كَانَ عِنْدَهُ قِطٌّ نَحِيلٌ.

وَضَعَ الظِّلُّ الخُبْزَ أَمَامَهُ،

فَأَكَلَ القِطُّ بِبُطْءٍ،

ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ…

وَنَظَرَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَقْتَرِبَ،

دُونَ أَنْ يَعَضَّ،

دُونَ أَنْ يَطْلُبَ المَزِيدَ.

لِلْمَرَّةِ الأُولَى…

لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ شَيْئًا يُسْحَبُ مِنْهُ.

جَلَسَ قُرْبَهُ،

نِصْفُهُ مَفْقُودٌ… وَنِصْفُهُ يُرَاقِبُ.

ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ…

كَأَنَّهُ وَجَدَ مَا لَمْ يَجِدْهُ فِي البَشَرِ....!!.


القاص

د. عبد الرحيم الشويلي

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان استقالة أدبية ( قصة قصيرة )_بقلم الأديبة السورية / ابتسام نصر الصالح

  قصة قصيرة بعنوان:  (إعلان استقالة أديبة)  ارتطمت دماغ مجدولين بأسوار الرقابة؛ أحست بجروح في ذاكرتها؛ سالت ذكرياتها مذ كانت تركل جدار زنزان...