الأحد، 5 أبريل 2026

لا أقدر على البقاء _بقلم الأديب المصري /طارق غريب


“ لا أقدر على البقاء “


(المسرح شبه مظلم تماماً

ضوء وحيد رفيع يسقط من سقف عال جداً

كأنه شعاع من عالم آخر يخترق الظلام

في الوسط كرسي خشبي قديم مهترئ 

يبدو كأنه يحمل أثقال سنوات لا تُحصى

إلى اليمين طاولة صغيرة عليها ألبوم صور قديم مغلق

في الخلفية نافذة زجاجية طويلة مغلقة بإحكام

تطل على فراغ أسود مطلق ، لا نجمة فيه ولا ضوء

زاهية تدخل ببطء شديد ، كأن كل خطوة تُسحب من أعماقها

ترتدي ثوباً أبيض طويلاً باهتاً

يشبه الكفن ويشبه فستان عروس مهمل في الوقت نفسه

شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها بشكل فوضوي

عيناها واسعتان ، غائرتان ، كأنهما تريان طبقات من الزمن غير مرئية

تمشي نحو الكرسي ، تجلس ببطء ، وكأن الجلوس نفسه قرار ثقيل

صمت طويل جداً ، الهواء ثقيل 

ثم ترفع رأسها ببطء وتبدأ بصوت هادئ مكسور

يحمل في طياته كل التعب

زاهية (بهدوء عميق ، كأنها تتحدث إلى الفراغ نفسه ) :  

لا أقدر على البقاء.  

الكلمة هذه ليست صرخة يائسة ، ولا استغاثة

إنها حقيقة جافة ، خشنة 

كالرمال التي تتراكم في فمي منذ زمن طويل

أنا لا أقدر . ليس لأنني أخاف النهاية أو الظلام الذي يأتي بعدها

بل لأنني أخاف أن أظل موجودة هنا

في هذا الجسد ، في هذا الزمن

في هذا الوعي الذي لا يتوقف عن السؤال

(تضع يدها اليمنى ببطء على صدرها

أصابعها ترتجف قليلاً وهي تتحسس النبض )

هل تسمعون هذا الصوت؟  

هذا الصوت الذي يدق داخلي منذ سنين 

ليس قلباً ينبض بالحياة

إنه ساعة رملية مقلوبة بلا رحمة

كل حبة رمل تسقط بهدوء تقول لي : 

' انتهى جزء آخر من الوهم '

أنا أعيش داخل هذه الساعة 

وأنا في الوقت نفسه الرمل الذي يتساقط

والزجاج الذي يحتويه واليد التي قلبه

أتذكر أول مرة شعرت فيها بهذا الإحساس الثقيل

كنت في السابعة عشرة من عمري

وقفت أمام المرآة في غرفة أمي القديمة

والضوء الخافت يتسلل من النافذة

رأيت وجهاً ينظر إلي مباشرة ، لكنه لم يكن وجهي

كان شيئاً آخر ، شيئاً غريباً يرتدي ملامحي

قلت له بهمس : ' من أنت؟ '  فأجابني الصمت أولاً

ثم جاء الصوت من داخلي : 

' أنا الشيء الذي سيُجبر على البقاء ' 

من ذلك اليوم بدأت أهرب من نفسي

خطوة بخطوة ، لكنني دائماً أجد نفسي أمامها مرة أخرى  

( تنهض فجأة ببطء ، كأن الجسم يقاوم النهوض

تمشي نحو الطاولة الصغيرة 

تمد يدها وتلتقط ألبوم الصور القديم بكلتا يديها

تعود إلى الكرسي وتجلس وهي تحتضن الألبوم إلى صدرها للحظات ، ثم تفتحه ببطء شديد

 أصابعها تتحرك على الصفحات 

كأنها تخاف أن توقظ شيئاً نائماً ) 

انظروا هذا الألبوم ، صفحاته صفراء 

رائحته رائحة الزمن المتعفن

أقلّب الصفحات ببطء ، وكل صورة تطل علي

كأنها شبح من حياة لم تعد لي

هذه الصورة ، أنا طفلة صغيرة

بابتسامة واسعة وعيون لامعة

أقف أمام حديقة مليئة بالزهور

كنت أظن وقتها أن العالم ينتظرني بفارغ الصبر

وأن كل غد سيكون أجمل من سابقه

كنت أصدق أن الحياة وعد كبير

( تبتسم ابتسامة حزينة ، تمرر أصابعها على الصورة )

وهذه الصورة ، أنا في المدرسة ، أرتدي الزي الأبيض 

أقف بجانب صديقاتي . كنا نضحك بصوت عال

نعتقد أن الصداقة ستكون درعاً يحمينا من كل شيء

اليوم أعرف أن الضحك كان مجرد صوت يغطي على الفراغ 

الذي كان ينمو داخلنا جميعاً

( تقلب الصفحة ببطء أكبر )

وهذه أنا في العشرين ، أقف بجانب أول حب

يده على كتفي ، وعيناي تنظران إليه كأنه الخلاص

ظننت أن الحب سيمسك بي بقوة كافية ليبقيني هنا

ليمنعني من الانهيار . كنا نبتسم للكاميرا 

وكأننا نعد بأن نبقى معاً إلى الأبد

اليوم أرى في عيني تلك الفتاة اليأس الذي كنت أنكره

كان الحب مجرد وهم آخر ، محاولة يائسة لملء فراغ بفراغ آخر

( تستمر في تقليب الصفحات ، صوتها يصبح أعمق ) 

صورة بعد صورة ،  تخرجي ، حفلات ، سفر ، عائلة ، أصدقاء

كل صورة تحمل ابتسامة مصطنعة أكثر من سابقتها

أرى نفسي أتقدم في العمر داخل هذه الصور

والابتسامة تتلاشى تدريجياً ، والعيون تصبح أثقل

أرى جسدي يتغير ، والزمن يترك بصماته على وجهي 

كأنه يوقع على عقد لا مفر منه 

كل هذه الصور ليست ذكريات ، إنها أدلة

أدلة على أنني كنت أؤدي دوراً طوال الوقت

دور الفتاة السعيدة ، دور العاشقة ، دور المرأة القوية

دور التي ' ستبقى ' مهما كلف الأمر 

( تغلق الألبوم فجأة بصوت خفيف

تحتضنه مرة أخرى إلى صدرها )  

أنا لست مكسورة

أنا متحررة من فكرة أنني يجب أن أكون كاملة يوماً ما

كل هذه الصور تثبت أنني حاولت أن أكون كذلك ،  وفشلت

وفي الفشل هذا وجدت حريتي

( تعود ببطء إلى الكرسي بعد أن تضع الألبوم جانباً على الطاولة

تجلس وتضع رأسها بين يديها للحظات طويلة

صوتها يخرج الآن أعمق ، أثقل )

أحياناً أتخيل أن الحياة نفسها تقف أمامي صامتة وتسألني بنظرة : 

' لماذا لا تريدين البقاء معي؟ ' فأجيبها بهدوء : 

' لأنكِ لم تعطيني سبباً واحداً يستحق كل هذا الثقل '  

كل يوم يأتي بنفس الطقوس المملة :

الاستيقاظ على صوت المنبه أو صمت الصباح

التنفس الهواء نفسه ، الأكل لأن الجسد يطلب

الكلام مع الناس لأن الصمت يُعتبر غريباً

النوم لأن التعب يغلب

وفي كل لحظة من هذه الطقوس

اشعر أنني أؤدي دوراً في مسرحية طويلة جداً

لا أحد يشاهدها حقاً ، ولا أحد يهتم بنهايتها

أنا تعبت من أداء الدور

تعبت من أن أبتسم حين أريد الصمت

وأن أتكلم حين أريد الاختفاء

( تنهض مرة أخرى ، تمشي بخطوات أوسع 

صوتها يرتفع تدريجياً ، يصبح أقرب إلى ترنيمة حزينة عميقة

يداها تتحركان في الهواء كأنها ترسم شيئاً غير مرئي )

أنا لا أقدر على البقاء في جسد يتقدم به العمر

كل ليلة بهدوء مخيف

وكأنه يسرق مني شيئاً صغيراً لا أستطيع استرجاعه أبداً

أنا لا أقدر على البقاء في مدينة تبني أبراجاً شاهقة 

من زجاج لامع وتدفن تحتها أحلام الناس 

وأصواتهم دون أن تلتفت

أنا لا أقدر على البقاء في علاقة 

تطلب مني أن أكون ' كافية 'دائماً

كافية لمن؟ لشخص يهرب من فراغه الخاص باسم حبي؟  

الفراغ ليس عيباً ، الفراغ ليس نقصاً  

الفراغ هو الحقيقة الوحيدة التي بقيت صادقة معي

أنا أعانقه الآن وأضمه إلى صدري بقوة وأقول له : 

' أخيراً ، أنت وأنا فقط ، لا أحد بيننا '  

( تسير نحو النافذة الطويلة ببطء

تضع كفيها كلتيهما على الزجاج البارد

تنظر إلى الفراغ الأسود خارجها لوقت طويل )

خارج هذه النافذة لا يوجد شيء

وهذا جميل جداً ، لا أحد يطلب مني أن أبقى

لا صوت يقول : ' ابقي من أجل أمك '

' ابقي من أجل من قد يأتون في المستقبل ' 

'ابقي من أجل المجتمع '  ، ' ابقي من أجل الوطن '

كل هذه الأصوات مجرد أصوات خارجية 

تحاول أن تمد يدها وتمسك بي من بعيد

أنا أرفض أن أُمسك ، أرفض أن أكون شيئاً يُمسك به  

أريد أن أذوب

أريد أن أصبح الهواء الذي يمر بين الأصابع دون أن يُمسك

أريد أن أكون اللحظة التي تنتهي قبل 

أن يتمكن أحد من قول ' ابقي '

( تعود بخطوات بطيئة جداً إلى الكرسي

تجلس ببطء شديد ، كأن الجسم يستسلم أخيراً

صوتها يعود هادئاً جداً ، كأنه همس حميم لنفسها )

ربما هذا هو السر الوحيد الذي بقي لي :  

القوة الحقيقية ليست في القدرة على البقاء 

القوة الحقيقية هي في أن تقولي ' لا أقدر '  

وأن تكوني صادقة تماماً مع هذه الكلمة  

أنا صادقة الآن ، أكثر صدق من أي يوم مضى  

لا أقدر على البقاء 

( تغمض عينيها ببطء . 

الضوء الوحيد يخفت تدريجياً جداً بطيئاً

كأنه يودعها . صوتها يظل يتردد في الظلام 

وكأنه يأتي من مكان أبعد ، أعمق )

وإذا سألتموني غداً أو بعد غد ، أو في أي يوم آخر :  

' أين زاهية؟ ' 

قولوا لهم بهدوء : ذهبت إلى حيث لا يوجد بقاء 

وأخيراً ، وجدت السلام 

( الظلام الكامل يغمر المسرح . صمت مطبق طويل

يبقى فقط صوت تنفس خفيف جداً وهادئ 

يتباطأ ثم يختفي تماماً. 

لا شيء يبقى )

ستار

بقلم : طارق غريب  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لن التفت للوراء أبدا _بقلم الشاعرة /نيفار عبد الرحمن

لن ألتفت للوراء أبداً نزعتك  من ثنايا القلب  ولم تعد بعزيز الفؤاد قد بات الحاضر  ماضي يتوالا  والحب رماد ادركت بأني  راضية تأمن شر الحساد فف...