الخميس، 16 أبريل 2026

(قصة قصيرة )بعنوان هوب هوب_بقلم الأديبة السورية/ ابتسام نصر الصالح


قصة قصيرة 

بعنوان: ( هوب هوب)

الزمان: ثمانينات القرن الماضي( القرن العشرين).

لم تكن الرحلة مريحة، ازدحام شديد في كراج باصات الهوب هوب.  الطقص حار جدا، الصيف في عزه. موسم الامتحانات الجامعية. أسينات كانت تنتظر والعرق يغسل وجهها، عساها تحظى بمقعد في الرحلة المتجهة من حمص إلى حلب. أخيرا، جاء الباص المنتظر، صعدته، جلست في مقعد وجدته خاليا بجانب النافذة؛ اجتاحتها سعادة، فهي تحب مراقبة الطريق. لحظات مرت، أتت مسافرة وجلست في المقعد المجاور لها. انطلق الباص و حين خرج من الكراج واستقر على طريق السفر؛ جمع المعاون الأجرة من المسافرين. ثم قال مبتسما وفخورا:" ركاب باصنا الغوالي، إليكم حكاية باصنا الجميلة:" هذا الباص ماركة (scania) هو صناعة السويد. سافر صديقي وكنت برفقته  إلى مملكة السويد برا، فاشترى هذا الباص وزوده بالمازوت. ثم تزودنا بالطعام وانطلقنا برحلة عودتنا إلى حمص. صديقي كان  يقود الباص وأنا جالس بجانبه، وحين يتعب كنت أنا أقود، ويستريح هو بجانبي، عملنا استراحات عديدة في الدول والمدن التي كنا نمر بها. كانت رحلة العمر، من أجمل سفريات حياتنا ، استغرقت رحلة ذهابنا وإيابنا شهرين متواصلين. وها هو صديقي صاحب الباص هو ربان رحلتنا إلى حلب. أتمنى لكم سفرا ميمونا."  صفق  ركاب الباص مهللين:"حييتما" ؛ رفع السائق يده عاليا ولوح بها ردا على تحية الركاب له.  جلس المعاون بجانب السائق. صدحت أغاني صباح فخري عبر جهاز التسجيل لدى السائق.

فوجئت أسينات بالمسافرة التي استقرت بالمقعد المجاور لها، حين بادرت بطرح سؤال عليها باللغة الإنجليزية( ملامح المرأة غريبة. لأول مرة تلتقي بانسان بهذه الملامح، لا تشبه ملامح الأوربيين،  فهي ذات وجه كل تفاصيله صغيرة، عيون مبطنة مائلة صغيرة، فم صغير، أنف بالكاد انبثق من وجهها، شعر أسود قاتم وأملس، قصير جدا. قامتها قصيرة وحجم جسمها ضئيل جدا، للوهلة الأولى، بدت المسافرة لأسينات كما الطفلة الصغيرة.)  انسجمت أسينات بحديث الغريبة الشيق وقد عرفتها على نفسها قائلة:" أنا أتيت من اليابان إلى سورية، وهدفي الأساسي هو زيارة مدينة تدمر الأثرية، وكذلك مدينتها التوأم تدمر المأهولة بالسكان. أعمل مديرة لدار نشر أملكها في بلادي. لدي مشروع كتاب عن حضارة تدمر عبر دراستي لآثارها. وهذا اقتضى مني أن أقوم بنفسي بزيارتها والتعرف عليها على أرض الواقع. كذلك لألتقط صورا لمدينة تدمر ولكل آثارها أرفقها بدراستي في كتابي الذي اعمل عليه.  واليوم أتيت من تدمر بعد أن أنهيت زيارتي لها. هدفي الثاني هو مدينة حلب وقلعتها ومتحفها، وآثارها "  ذهلت أسينات بهذه السيدة التي حدثتها أنها تركت أولادها وزوجها ودار نشرها، لأجل أن تحظى بزيارة لمدينة تدمر التي طالما قرأت عنها وحلمت بزيارتها. حدثت أسينات نفسها: "كيف لهذه السيدة الصغيرة الحجم أن تتحمل عناء السفر من بلادها إلى سورية. كذلك تتحمل الانتظار في الكراجات والتنقل في هذا الصيف الحار والازدحام الشديد؟!!! وكيف تركت عائلتها من أجل هدفها؟!!! لا بد أن أولادها وزوجها متفهمين جيدا ومؤازرين لها، حتى تمكنت من الانطلاق بهذا السفر المرهق دون أن يكتنفها القلق على أطفالها.  وها هي تتحمل مشقة السفر ولكنها تبدو سعيدة جدا بكل تفاصيل رحلتها.".وفي خضم انسجامها بحوارها مع السيدة اليابانية، سألتها أسينات:" ما هي أهم ميزة لليابان كطبيعة؟" أجابتها:" إنها الجبال، اليابان فيها سلاسل جبلية كثيرة جدا وهي مترعة بالخضرة وأينما ذهبت فيها ترين اللون الأخضر يغطي جبالها عبر الأشجار.". سألت اليابانية أسينات عن سبب سفرها ووجهتها. أجابتها أن وجهتها مدينة حلب حيث تدرس الأدب الفرنسي وهي مازالت في سنتها الأولى وعندها امتحانات نهاية السنة. 

وفجأة، أخرجت اليابانية من حقيبتها ورقة ملونة، زرقاء اللون، بلون بحري. لفتت انتباه أسينات؛ أخذت تراقب مالذي ستفعله بهذه الورقة. فوجئت بحركة يدي اليابانية السريعة جدا، عدة دقائق فقط مرت. ذهلت أسينات بما صارت إليه حال الورقة الزرقاء. 

قالت اليابانية: ها قد عملت لك هذا ليبقى تذكارا مني، لتتذكري امرأة جاءت من اليابان لأجل عيون مدينة تدمر. ثم مدت يدها وقدمت لها طائرا أزرق جميلا يكاد يطير حقا. فتحت أسينات راحة يدها؛ وضعت اليابانية الطائر عليها. شكرتها أسينات، ووضعت الطائر بكل عناية في حقيبة يدها. وصل الباص إلى إحدى القرى في محافظة حماه، فإذا بشاب يقترب من مقعد اليابانية ويكلمها باللغة الإنجليزية قائلا لها أنه الآن وصل قريته، ويسعده أن يدعوها لتكون ضيفتهم، وغدا يمكنها أن تكمل رحلتها إلى حلب. نهضت السيدة وألقت على أسينات كلمات الوداع. ثم أجابت الشاب أنها قبلت الدعوة. صاح الشاب:" هوب، هوب" ؛ توقف الباص؛ نزل الشاب وظل واقفا بجانب الباص حتى نزلت اليابانية. ثم عاود الباص مسيره صوب مدينة حلب. 

ذات يوم، أرادت أسينات أن تستكشف سر الطائر الذي لم تعرف اسمه. فحاولت أن تفرد الورقة، وتحافظ عليها من التمزق، وبذات الوقت تحافظ على مكان الطيات فيها، علها تحصل على شيفرة الطائر. لكن عبثا، لم تتوصل لها. عندها أعادت الطائر كما كان مخبئا بين جناحيه ليس فقط سره الخاص بل ذكرى الإنسان الوحيد من اليابان الذي تعرفت عليه وأحبته عبر فن طي الورق  (الأوريغامي) . كانت تلك المرأة هي أول صاحب ومدير دار نشر تلتقي به أسينات  في حياتها.

******************************************

**** تنويه هام: 

* الأوريغامي: هو فن طي الورق ( حيث يشترط بهذا الفن عدم تقطيع الورقة أو تمزيقها أو قصها بل يقوم الفنان بطي الورقة مع المحافظة عليها كاملة ويعمل بيديه فقط لا غير  دون استخدام أية أداة أو لاصق) يستخدم الأوراق الملونة أو البيضاء  ويصنع منها أعمالا فنية.)، هو فن من التراث الياباني.

*  باص الهوب هوب: كان يدعى بهذا الاسم لأنه ليس له محطات محددة للتوقف، فهو يتوقف بمجرد أن صاح أحد الركاب: "هوب هوب." فينزل المسافر في مكان وصوله إلى قريته أو منطقته. وكذلك حين يمر في طريقه بجانب مسافر يقف منتظرا باصا، فيومئ له المسافر ملوحا بيده ويصرخ: :هوب هوب." ؛ يتوقف الباص؛ يصعد المسافر سريعا إليه؛ يعاود الباص رحلته، إلى أن يصل محطة استراحة فيعاود مسيره إلى ان يصل كراج المدينة التي يقصدها. 

* صباح فخري: مطرب سوري من مدينة حلب الشهباء اشتهر بغناء القدود الحلبية والمقامات العربية والموشحات الأندلسية. دخل كتاب غينيس للأرقام القياسية بتسجيله أطول مدة غناء متواصل على المسرح، حيث سجل رقما قياسيا، حين استمر بالغناء أمام الجمهور على المسرح لمدة سبع ساعات متواصلة دون استراحة، بصوته الرخيم وموهبته الكبيرة.  يعتبر صباح فخري معلما من معالم مدينة حلب. رحم الله الفنان صباح فخري وأسكنه فسيح جناته. 


* تمت بتاريخ: 29 آذار ٢٠٢٦م .

*** 

بقلم : ابتسام نصر الصالح 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نسير إلى فناء_بقلم الشاعرة التونسية /رفا الأشعل

 نسيرُ إلى فناءٍ .. نسيرُ إلى فناءٍ مُرْغَمينا ووجهُ الدّهر قدْ عقَدَ الجبينَا وأقدارٌ علينَا قدْ تجنّتْ يتعتعنا الزّمان ألنْ يلينَا؟ سهامُ ...