الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

التنور( خاطرة قصصية )_بقلم الأديبة السورية ابتسام نصر الصالح

 



 التنور 

قرأت مؤخرا عن اكتشاف جديد؛  يحكون عنه الآن:  (القنب والجير  يبنون منها بيوتا لا تحترق. )

فانبثقت من ذاكرتي حكاية حقيقية تقول : أجدادنا اكتشفوا هذا قبل آلاف السنوات. 

عملوا التنور في قريتنا من القنب وتراب أبيض خاص من  القرية يعرفونه جيدا وموجود في مكان محدد.

 ينقعون القنب بالماء ويخلطونه مع التراب ثم يدقونه في جرن حجر البازلت حتى يصبح مزيجا متجانسا.  فيبدؤون ببناء التنور حتى يصبح بارتفاع يساوي متر ونصف ( بناء التنور على مراحل ويأخذ وقتا طويلا وتعبا ويحتاج مثابرة واناة في العمل) .حيث فوهته للأعلى بشكل مائل  ويعملون له فوهة صغيرة بالأسفل من اجل تنظيفه. يتركونه حتى يجف بالشمس تماما. فينقلونه إلى المكان المناسب له؛ يمركزونه فيه ويبنون  بجانبه  مصطبة ليضعوا عليها العجين الجاهز للخبز مع الكارة ( وهي قطعة مخصصة لرق العجين عليها ليصبح على شكل رغيف ولها جيب، تدخل الجدة يدها في الجيب وتدخل الكارة داخل التنور وتلصق رغيق العجين على جداره بسرعة خاطفة ) والزيت،  والميزرة( هي قطعة القماش المخصصة لوضع كرات العجين) . ومن ثم يقومون بتطيين التنور والمصطبة بطين من تراب خاص لبناء البيوت ذو لون أبيض ناصع. ويتركونه ليجف بأشعة الشمس فيصبح التنور والمصطبة كتلة واحدة ثابتة في مكانها لا تتزحزح. 

التنور طبعا لا يحترق بالنيران المشتعلة داخله وبذلك يلصقون  أرغفة العجين على جداره من الداخل. وحين ينضج الخبز ينزعونه بحركة بسيطة، وهو لا يلتصق أبدا بعد أن ينضج. ويبقى هذا التنور على مر زمان طويل يخدم العائلة. وهو يقاوم النيران المشتعلة في أحشائه، ويبقى صامدا بل ويزداد قوة وصلابة. خير وبركة على مر الزمان .ورائحة الخبز الشهية تخرج منه. وبعد أن تنتهي الجدة من الخبز، يكون الجمر قد أصبح رمادا ساخنا.  فتضع البيض في اسفل التنور عبر الفتحةالصغيرة . فيشوى البيض؛ وتستخرجه بأداة خاصة لتنظيف الرماد؛  عصا لها عقفة من الحديد في نهايتها؛  تنبر البيض والرماد بها .

كذلك التنور تقوم الجدة بخبز الفطائر على جدرانه والكبة المشوية وأقراص بو أمون وأقراص العيد( أقراص بالحليب) وكل هذا دون أن يتأثر التنور بل يبقى ذو رائحة جميلة وطاهرة .

أما الرماد فهو مادة مطهرة ومنظمة؛ تستخدمها الجدة لفرك الأواني التي تطهي بها الطعام على موقد النار والحطب والتي يعلق عليها الشحار ذو اللون الأسود. يقوم هذا الرماد بتنظيف القدور والطناجر وبعد ذلك تغسلها بالماء  فتبرق من النظافة. بدون أي حاجة لمواد التنظيف الكيميائية التي لم تكن موجودة في ذلك الزمان. 

أما (بو أمون) : فهو نوع من أنواع الكبة في سورية. عجينته من البرغل واليقطين (القرع)الذي يشبه الكرة الكبيرة؛ أما حشوته فهي مكونة من : البصل مكعبات صغيرة مع مكعبات صغيرة من البطاطا ومطهوة كلها بزيت الزيتون. وأقراص (بو أمون) على شكل دائري يشبه القمر حين يكون بدرا ولذلك سمي هذا النوع من الكبة بهذا الاسم لأن كلمة (بو) هي من اللغة السورية القديمة وتعني (أب) أما كلمة (أمون) : فهي أيضا من اللغة السورية القديمة وتعني (القمر المكتمل وهو البدر ) . أما في دولة لبنان فهذا النوع من الكبة اسمه ( أم أمون) وهو ذاته ( بو أمون ) السوري . وطبعا ليس غريبا هذا الأمر لأن أنواع الطعام في سورية ولبنان هي ذاتها والسبب يعود أن لبنان قديما كان جزءا من سورية الكبرى وكان هناك تشابك بالعائلات والعادات والتقاليد والمأكل والملبس واللغة السورية. 

لكن ما يلفت اهتمامي أن كلمة( أمون) لا أدري لماذا تستدعي إلى ذاكرتي كلمة(  آمون ) : التي هي الإله ( آمون ) المذكور في الحضارة المصرية القديمة. وما هذا التلاقح الجميل بالمفردة بين ثلاث دول : سورية، لبنان ومصر .كذلك لابد ان نذكر ان كلمة a moon الانجليزية والتي معناها القمر مأخوذة من لغتنا السورية القديمة. مع ملاحظة أن الكبة عادة بكل أنواعها تكون حشوتها مكونة من اللحوم المفرومة ناعمة والمطهوة بالسمن البلدي مع البصل والتوابل والإضافات الأخرى حسب نوع الكبة وتكون العجينة من البرغل المدقوق مع اللحوم أو المفروم معها. ولكن لماذا عجينة (بو أمون ) خالية من اللحوم وكذلك حشوته خالية من اللحوم وتطهى بزيت الزيتون؟ 

طبعا لأن ( بو أمون ) هو طعام مرتبط بأيام الصيام عند السوريين القدماء. مع ملاحظة استخدام اليقطين في هذا النوع من الطعام الخاص بالصيام لأنه نبات له قدسيته فهو من أنقذ النبي يونس من الموت بعد أن نتقه الحوت في سردية الأديان السماوية. ولذلك يستخدم في طهي الحشوة زيت الزيتون والذي كذلك له قدسيته عند السوريين الذين كانت ومازالت شجرة الزيتون لها قدسيتها عندهم لأنه ورد ذكرها في جميع سرديات الحضارات السورية القديمة. وكذلك في الأديان السماوية كلها حيث شجرة الزيتون المباركة. و هو زيت المعمودية. وهو الزيت الذي يقدم في القرابين نذورا وتقربا من القديسين عبر الحضارات والأديان. 

وأخيرا: الطعام في سورية ليس مجرد مواد تطهى بل هو حضارة تروى ولغة تحكى على مر العصور . ومهما مر من الزمان يبقى التنور السوري وكبة( بو أمون) لا يتغيران لأنهما جزء من لغة وحضارة وحياة أجدادنا القدماء وجزء حي من التراث السوري . ولذلك يحتفظ القرويون باليقطين من الصيف إلى الشتاء; يعملون منه كبة (بو أمون) التي تمنحهم الغذاء والطاقة والدفء.

أما ( البرغل ) فهو من القمح حيث يسلق بالماء فقط حتى ينضج لمستوى محدد دون أن تنفلق حبات القمح ثم يجفف في الشمس حتى يعود صلبا كما كان فيأخذونه إلى الطاحونة لتقوم بجرشه إلى قطع صغيرة جدا تسمى برغل ثم يقوم أصحاب البرغل بفرزه إلى برغل ناعم وبرغل خشن من خلال استخدام الغربال فينزل البرغل الناعم ويبقى الخشن على سطح الغربال . أما البرغل الخشن فيستخدم في أنواع كثيرة من الطعام فيما البرغل الناعم مخصص لأنواع الكبة الكثيرة جدا وكذلك يستخدم في (التبولة) وهي عبارة عن: [ بقدونس مفروم ناعم جدا  كمية كبيرة مناسبة لكمية التبولة التي نريد تحضيرها+ بندورة مفرومة ناعمة جدا كمية كبيرة مناسبة لكمية البقدونس ولكن تكون عادة ربع كمية البقدونس وطبعا حسب الرغبة + بصلة صغيرة مفرومة ناعمة جدا+ قليل من النعنع الأخضر مفروم ناعم جدا+( ملح + فليفلة حمراء حدة (حارة أو حرة حسب لهجة كل منطقة)  جافة ناعمة جدا كمية قليلة  فهي تعتبر بهارات التبولة+ عصير ليمون حامض كمية كبيرة مناسبة لكمية البقدونس الذي هو مكون أساسي + عدة ملاعق من زيت الزيتون حسب كمية البقدونس) + برغل ناعم منقوع مسبقا بماء ساخن حتى ينفش كمية كأس صغير تزيد أو تنقص حسب كمية البقدونس. وطبعا لن تظهر رائحة البصلة الصغيرة لأن البقدونس تطغى رائحته على رائحة البصل فيمتصها ويمنعها من الظهور .] تخلط الخضار  كلها باليدين ثم يضاف إليها المواد الأخرى وتخلط مرة ثانية لكن باستخدام ملعقتين أو شوكتين. (ويمكن أن نضيف بعض أوراق الخس المفرومة ناعمة جدا إلى البقدونس قبل خلط الخضار طبعا .وهذا حسب الرغبة .) وأخيرا يتم وضع التبولة بوعاء كبير و تزيينها حسب الرغبة. وغالبا تستخدم أوراق قلب الخسة فتغرس على مدار التبولة في وعائها وكذلك شرائح الليمون بأشكال على مدار التبولة أو في وسطها وإضافة بعض شرائح البندورة كذلك في وسط التبولة بأشكال مختلفة . (وكذلك زيت الزيتون حسب الرغبة فهناك من يفضلون التبولة دون زيت لكنه من مكوناتها الأساسية. ). 

وكل ما ذكرته يعود فضله إلى حبة القمح التي دجنها أجدادنا السوريون القدماء. ولذلك لدينا في القرى نستخدم كلمة من اللغة السورية القديمة وهي ( الدجن) ومعناها ( الخبز) وتعود في جذرها إلى الفعل( دجن)وتلفظ بالشدة على حرف الجيم . ومعناه أن القمح كان نباتا بريا بعليا ينبت في الطبيعة دون تدخل الإنسان ولكن بكميات قليلة وفي أماكن محددة فقام أجدادنا بجمع حبوب القمح وفلحوا الأرض يعني حرثوها ومن هنا جاءت كلمة الفلاح. ثم بذروا حبوب القمح وجاءت الأمطار فسقتها ونبتت وكان أن حصدوا المحصول وحصلوا على كميات كبيرة من القمح فقاموا بالاحتفاظ بكمية كبيرة منه للموسم الزراعي القادم. وأخذوا كمية من القمح وقاموا بطحنها. ثم عجنوا الطحين بالماء وخبزوه على التنور وصار( دجن) يعني خبزا( الضمة  على حرف الخاء) وجذره من فعل خبز (الفتحة على حرف الخاء). ولذلك فالبشرية مدينة لأجدادنا السوريين القدماء بحضارة ( الدجن) وهو الخبز . ولدينا مثل في الريف السوري : فيقال عن  الفقير ( ليس في بيته الدجن) وهذا يعني أن ( الدجن ) هو أساس الخير في البيت فإن لم يكن موجودا فهذا البيت فقير ليس فيه أي نوع من الطعام على الإطلاق. 

ولذلك نعود إلى ما بدأنا به . أجدادنا اخترعوا التنور  ودجنوا القمح وصنعوا منه الطحين ليكون دجن. ومن جهة أخرى صنعوا من القمح البرغل وعجنوه مع اليقطين وعملوا منه قمرا بدرا وخبزوه في التنور ليكون ( بو أمون).

التنور حضارة وذاكرة وتراث يحتضن حكاية كيف صار القمح دجن وامون.

***

 بقلم:

 ابتسام نصر الصالح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سند الياسمين _بقلم د.ذكاء رشيد

​سند الياسمين ​هو مقصدي.. رجلي الوفي للروح ثوب.. وكذا معطفي نبضي الذي لم ولن ينطفي في همسه.. حبك دنيتي ​هو عمادي.. هو لي السند الصدق فيه ميث...