الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

قصة قصيرة بعنوان( مولود المطر) _بقلم الأديبة السورية / ابتسام نصر الصالح

قصة قصيرة 

بعنوان(مولود المطر)

اليوم هو أحد أيام نهاية فصل الشتاء عام ١٩٦٨، في البرية حيث المروج بدأت تكتسي باللون الأخضر، أزهار النرجس البري تملأ الأرض، وأزهار الأقحوان والبابونج تعلن عطرها في الأثير ، الراعي يتجول بين قطيع أغنام القرية، بينما كلبه يتجول حول القطيع كحارس أمين، انتبه الراعي إلى نعجة مستلقية، اقترب منها وإذا بها في حالة إنجاب، ساعدها حسب خبرته طوال سنين عمله كراع، السماء ترسل مطرا مدرارا، استقبل الراعي الطلي المولود بين يديه واحتضنه، خلع فروته وغطى النعجة الأم لكنها عاجلت بالرحيل فنفقت تاركة مولودها  وديعة في حضنه، بحث الراعي عن نعجة برفقة حمل صغير، وجدها فاختبر وجود الحليب في ضرعها، تأكد أن الحليب وافر، قرب المولود إلى ضرعها لكنه أبعد رأسه، كرر المحاولة عدة مرات حتى نجح في تمكين الطلي من الاستئناس بالنعجة فرضع قليلا من الحليب، عندها اطمأن عليه، وبقي محتضنا إياه.

 هدأ المطر، وانقشعت الغيوم، ظهرت الشمس وانبثق قوس السماء بألوانه السبع، فأرضع المولود مجددا من الأم البديلة، إلى قبل الغروب بساعة، عاد إلى القرية محتصنا المولود، وقد وضع النعجة الراحلة على ظهر الحمار، بينما كبش كبير يتقدم القطيع وفي عنقه جرس يطلق صوت رنين مميز ذو ريتم جميل يتناسب مع حركات رأس الكبش فيتبعه القطيع بكل انتظام والكلب اتخذ مكانه خلف القطيع مع الراعي حتى يتأكدوا أنهم لم يفقدوا أي متأخر عن رحلة العودة إلى القرية.

لدى وصول الراعي والقطيع إلى القرية انطلقت الأغنام كل إلى دار أصحابه واتجه الراعي إلى بيته مع المولود والنعجة الراحلة، وانتظر قدوم من يسأل عن نعجته. فعلا، بعد مضي نصف ساعة من عودته إلى بيته، جاءه شاب يسأله عن نعجتهم التي لم تعد مع أغنامهم، رحب به الراعي وأخبره أنها نفقت وهي في المرعى وأنها قبل ذلك أنجبت حملا وجعله يراها وسأله ما هو فاعل، طلب منه الشاب أن يساعده ليذهبا ويضعاها بعيدا عن القرية قبل أن يحل الظلام، وهكذا فعلا. ولدى عودتهم أخذ الشاب المولود الوديعة من الراعي وشكره على جميل صنعه. 

حين وصل إلى بيته أخبر الجميع بقصة النعجة ووضع المولود بين أيديهم للعناية به. قالت الجدة: " لدى جارتنا بيبرونة كانت ترضع بها ابنها ولكنها فطمته منذ وقت لذلك هي ممكن أن تستغني عن البيبرونة الآن، " وأشارت لكنتها الشابة قائلة: " اذهبي إلى جارتنا واقرئيها مني السلام واحكي لها أنه لدينا حمل مولود جديد فقد أمه ونريد استعارة البيبرونة لنرضعه الحليب واشكريها عني جزيل الشكر ."  قامت الشابة وعملت كل ما طلبته منها الجدة وعادت وهي تحمل بيبرونة مليئة بالحليب، قائلة : " أصرت جارتنا أن تملأ البيبرونة حليبا من اجل المولود الحمل وهي تقرئك السلام وتقول لك أن لديها نعجة مرضعة وانها سترسل لك الحليب الكافي للمولود اليتيم كل يوم حتى لا تبحثي له عن حليب لأنها تعلم انه ليس لديك نعجة مرضعة." 

قالت الجدة:" هذا من طيب أصلها لقد حلت مشكلة تأمين الحليب فعلا. هيا تعالي يا ابنتي ضعي هذا الحمل في حضنك وارضعيه الحليب وحين ينتهي ضعي البيبرونة في مكان آمن ." ومضت السهرة والجميع مهتمين بمراقبة هذا المولود الذي شغلهم وغير اتجاه احاديثهم. حين بدأ النعاس يلقي سدوله عليهم، قالت الجدة: " اذهبوا إلى غرفكم واتركوا لي مولود المطر ينام في حضني والصباح رباح. "

بقلم: ابتسام نصر الصالح 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الشاعر المغمور _بقلم الشاعر /جلال الدين محمد

(الشاعر المغمور ) هزى إليك بجذع الصبر واصطبري  فالفجرُ يأتي ويُحيي كلَّ مُغتصَبِ نحنُ الذينَ قهرنا الرومَ من زمنٍ سَلِ اليرموكَ عن خالدٍ وعن...