الاثنين، 25 أغسطس 2025

رؤية_بقلم الأديبة /ابتسام نصر الصالح -


 قصة قصيرة 

بعنوان( رؤية)

بينما مدت سيدة البيت قطعة القماش الكبيرة البيضاء على الأرض ومدت فوقها لحافا محشوا بالقطن الأبيض من محصول أرضها، وحضرت قطعة قماش ناعمة بيضاء تسمح من خلالها بظهور لون وجه اللحاف الزهري الذي يسمونه بالمانستر، جاءت إليها أحدى الجارات ومعها طفلتها ذات التسع سنوات. رحبت بهم سيدة البيت قائلة:" أهلين وسهلين، جئتم بوقتكم، أنا سأخيط الملحفة وبعدها سأعمل القهوة، تفضلوا، البيت بيتكم، خذوا راحتكم"  جلست الضيفة مع ابنتها بجانب صاحبة البيت وهي ترتب اللحاف تمهيدا لاستكمال خياطة ملحفته، ثم نظرت إلى الطفلة وسألتها:" هل يمكنك أن تعدي هذا الخيط في هذه الإبرة؟"

التفتت الطفلة ونظرت في وجه أمها، قالت الأم مبتسمة: " لا تخجلي، أجيبي الخالة." 

أجابت الطفلة:" نعم أعرف" 

قالت الخالة: " إذا، خذي يا حبيبتي وعدي الخيط في الإبرة" 

أخذت الطفلة من يدها الإبرة والخيط وعملت ما طلبته منها.

ثم أردفت الخالة: " وهل تعرفين الخياطة بالابرة؟"

نظرت الطفلة مجددا في وجه أمها تنتظر تعليقاتها.

ابتسمت الأم مجددا قائلة:" تكلمي لا تخجلي"

أجابت الطفلة: " نعم أعرف"

أمسكت المرأة بقطعة قماش صغيرة لونها زهر منقطة بالأبيض قائلة: انظري يا ابنتي هنا في زاوية اللحاف يوجد بقعة صغيرة مهترئة وأريدك أن تخيطي هذه القطعة من القماش فوقها لترتقيها حتى لا يتسع الاهتراء وبذلك نحافظ على اللحاف لعمر طويل."

قالت الأم : "أنا ارتقها لك أخشى أن يدها الصغيرة لا تتمكن من رتقها جيدا، رغم أنني علمتها الخياطة منذ سنة وهي تساعدني بكل أعمال الخياطة في البيت."

أجابت صاحبة البيت:" اتركيها ترتقه كما تشاء، لا تعرفين، ربما ذات يوم تنام بهذا اللحاف"

ابتسمت الأم قائلة: " كله بعلم الله، هيا يا ابنتي أخيطي هذه الرقعة الصغيرة ولكن على مهلك حتى تكون متينة الخياطة. "

قامت الطفلة بما طلبته أمها بهدوء واهتمام .

قالت صاحبة البيت: " سلمت يداك يا صغيرتي، انظري جيدا إلى هذه القطعة من القماش التي خطيها احفظي ألوانها جيدا. "

ابتسمت الطفلة.

أكملت السيدة خياطة الملحفة ولفت اللحاف ووضعته في الموضع الخاص باللحف. 

ثم عادت لترحب بضيفتيها مجددا، قائلة : " كل أبنائي في الأرض يعملون في حقل القطن، الآن جاء وقت القهوة، ولكن ماذا ستشرب الحلوة؟ مارأيك هل تحبين عصير العنب ؟ 

قالت الأم: "تحبه جدا ." 

نهضت الخالة واتجهت صوب المطبخ قائلة: "سأحضر عدة القهوة والعصير ."

قالت الأم :" انهضي يا ابنتي واذهبي مع الخالة وساعديها" 

لحقت الطفلة بالخالة وعادت وهي تحمل صينية القهوة وعليها الفناجين والصحون الصغيرة وركوة قهوة .

بينما بعد قليل عادت الخالة وهي تحمل صينية عليها علبة سكر وعلبة قهوة وكوب عصير العنب، وضعتهم وعادت لتعد موقدا صغيرا لتحضير القهوة.

كانت الطفلة سعيدة وهي تشرب عصير العنب بينما أمها والخالة تتحدثان والخالة تغلي القهوة على نار الموقد ورائحتها المنعشة تملأ الغرفة .

مرت السنوات وكبرت الطفلة وصارت صبية جميلة،  وشاء القدر أن يقول أخوها الأكبر الذي هو ولي أمرها أنه لن يوافق على زواجها من أي شاب في هذه القرية الا شابا واحدا اذا تقدم لخطبتها سيوافق عليه إن هي وافقت. وفعلا تقدم لها هذا الشاب الذي اختصه اخوها بحديثه،  وافقت الصبية ووتم زواجها .وفي أحد الأيام  قالت الأم لابنها الشاب وعروسه عليكم أن تبنوا بيتا خاصا بكم، أبوك كان يقول بارك الله بالبيت الذي يخرج منه بيت. وفعلا ابتنى الشاب بيتا خاصا به وزوجته وحينها قالت الأم :" الآن سأعطيكم كل ما يلزمكم من جهاز البيت وهو قسمتكم من خير الأرض وميراث أبيك يا بني، وأخذت تختار لهم من كل شيء ما يكفي حاجتهم من لوازم المطبخ وفرش غرفة النوم وغرفة الضيوف، ومن بين فرش غرفة النوم فردت على الأرض لحافا ونزعت عنه ملحفته وقالت للكنة:" تعالي يا ابنتي، انظري إلى هذا اللحاف اذا اعجبك فهو لك."

نظرت الصبية إلى اللحاف وابتسمت قائلة:" هذا اللحاف احبه جدا، تذكرت يا زوجة عمي هذه الرقعة التي انا خطتها ورتقت اللحاف بها، ها هي ذي لقد تذكرتها وهي لم تغب عن ذهني أبدا، سبحان الله تذكرت الآن حين قلت لأمي اتركيها ترتقه لا تعرفين ربما يأتي يوم وتنام فيه." 

****بقلم: ابتسام نصر الصالح  

تنويه: هذه القصة مستوحاة من الحياة الحقيقية وقد روت تفاصيلها أمي رحمها الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سند الياسمين _بقلم د.ذكاء رشيد

​سند الياسمين ​هو مقصدي.. رجلي الوفي للروح ثوب.. وكذا معطفي نبضي الذي لم ولن ينطفي في همسه.. حبك دنيتي ​هو عمادي.. هو لي السند الصدق فيه ميث...