الطريق إلى السماء
*****
أتذكّر تلك الليلة ، الليل طويل والهواجس تنبح في داخلي ككلابٍ جائعة .أحاول أن أهرب منها لكنّها تلحق بي. أُدير وجهي فلا وجهة لي ، وأحاول أن أفرّ من نفسي، لكنّها كانت أقرب إلي .أنظر في سقف الليل، أبحث عن ملجأ، عن اسمٍ أُردده فلا أُخذل .
كل ما فيّ يضج بالصمت، بالصراخ، بالتعب ، لم أعُد أُجيد الدفاع ، ضيقاً لا يُرى كان يضغط على صدري كأني أحمل الكون كله في قلبي ، وأتنفس من خرم إبرة.
كنت أختنق. لا عاصفة تهب ولا مواجهة تحاصرني، لكن ضيقاً صامتاً كان يضغط على صدري فوق ضلعٍ هش .أغمضتُ عيني لحظة، وابتلعتُ وجعي بصمت .
صوتاً داخلياً اسمعني قوله تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) من سورة الحجر .
لم أبحث عن آية تُنقذني، بل عن لمسة عن كلمة تُشبه ملامحي المبعثرة، عن شيءٍ يُعيدني إليّ . أغمضتُ عيني لحظة، وسقط داخلي ذلك الصوت الإلهي في سكون يشبه الاعتراف. كأن الله رأى قلبي دون أن ينتظر كلامي . كأنّه قال لي: (أعلم ما فيك ، فتعال)
لم يقل: اشرح نفسك. ولا دافع عنها.قال فقط: اذكرني واسجد.
فكنت عارياً من التبرير ..نقيّاً من الظنون ..خفيفاً .
السجود وحده يعرفني ، هو الموضع الوحيد في الأرض الذي لا يُشترط فيه أن أكون قوياً أو واضحاً أو مفهوماً. يكفي أن أقول هناك .. بصوت القلب لا اللسان (يا رب، أنت تعلم)وهذا وحده يكفيني.
هناك، على الأرض، وأنا أضع جبيني في حضرة من لا ينسى،
أغلق أبواب العالم وأطرق بابه. وما دام بابه مفتوحاً، لا يهمني من أغلقوا وجوههم في وجهي.
لقد فهمتُ أخيراً أن الضيق ليس النهاية، بل هو بداية لطريقٍ آخر أجمل .
السجود ليس هروباً بل عودة ..ليس استسلاماً بل اعترافٌ أصيل بأن القلب لا يستقيم إلا حين يسجد و فقط، انتماءٌ للرحمة هو لحظة تُغلق فيها كل الأبواب وتطرق واحداً
يا رب، أنت تعلم، وأنت الأعلم .
ما دامت الأرض تتّسع لسجدة ، فالسماء ليست بعيدة
بقلم: عمر أحمد العلوش

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق