الخميس، 7 أغسطس 2025

(بوق البحر)قصة قصيرة _بقلم الأديبة السورية /ابتسام نصر الصالح

 

قصة قصيرة

بعنوان : ( بوق البحر )

جلس المراهق ذو الخمس عشرة عاما على أريكته الفاخرة وأخذ يتصفح فيديوهات الفيس بوك والتيكتوك, استوقفه فيديو:(حيث يطل فيه شاب بهي الطلعة مبتسم ابتسامة ساحرة جالسا قبالة أحجار فيها أخشاب مشتعلة وفوقها قدر ألمنيوم قديم مليء ويبدو على سطح محتواه ماء لونه أخضر وفيه كرات بيضاء غير واضحة الملامح. قال الشاب والابتسامة ترافق كلامه: وهو يشير بيده إلى القدر: " بوق البحر " ، وندهت منه غصة مع ابتسامة فاخرة، وتابع قائلا: " أي شي نعمة من الله" .)

ملامح المراهق تغيرت، استفزته الابتسامة الساحرة والنار التي تطهو محتوى قدر الألمنيوم واسم الطعام الذي يسمعه للمرة الأولى ويراه غير واضح الملامح وقد جعل شهيته تتفتح. قدحت في ذهنه فكرة سريعة، قال لنفسه:" الآن جاء وقتك تماما ."

هرع المراهق إلى أبيه قائلا بصوت عال وجريء: أريد أن أتحدث مع جدي الآن وبدون أي تأخير.

قال الأب: " لا يمكنك الآن، أجل الأمر إلى الصباح.

المراهق: ولماذا التأجيل؟

أجابه والده: لأن جدك، جلالة الملك لديه اجتماع هام مع وزرائه وهم يحضرون لاستقبال شخصية هامة قادمة من دولة عظمى في الأسبوع القادم.

صرخ المراهق: " وما شأني أنا بكل هذا، أنا أريد التحدث الآن مع جدي ولا يمكنني تأجيل الكلام حتى الصباح. 

أوقفه والده بحركة من يده قائلا : وماذا أنت فاعل، انتبه، لا تجعل جلالة الملك يغضب عليك."

اندفع المراهق وهو يقول: "أنا سأحضر الاجتماع فأنا الملك القادم للبلاد بعدك يا أبي، ألست ولي العهد وحين يموت الملك ستتوج انت ملكا وحين أنت تموت سأتوج انا ملكا؟"

أجابه والده: " طبعا، كل ما قلته صحيح، لكن....

قاطعه المراهق قائل:" أنا ذاهب إلى قاعة العرش لأحضر الاجتماع وأتحدث مع جدي ومهما كان لا يهمني فأنا حفيد الملك الوحيد."

وانطلق حتى دخل قاعة الاجتماع الملكي، تصرف بذكاء وحنكة، انحنى بلطف أمام الملك، ألقى التحية قائلا: " أرجو من جلالتك أن تعذرني على مقاطعة الاجتماع ولكن لدي أمر هام جدا."

ابتسم الملك قائلا: " هيا قل يا أجمل أمير في الدنيا ما هو الأمر الهام الذي دفعك إلى مقاطعة الاجتماع؟."

تهلل وجه الأمير فابتسم قائلا:" يا جلالة الملك، أنت بالتأكيد تذكر تماما، وأنا أعرف قوة ذاكرتك، أنك قلت لي ذات يوم: : " إذا خطر لك أي أمر فلا تأجله أبدا، تحدث معي فورا، واطلب مني ما تمنيته في بالك، ولو كان لبن العصفور أتيتك به على الفور وان لم يكن في الحال ففي أقصى حد في اليوم التالي يكون عندك." أليس هذا ما وعدتني به جلالتك؟"

ابتسم الملك وهو يمعن النظر في وجوه وزرائه قائلا: " صدقت، حقا أنا وعدتك بهذا الأمر. هيا قل لي ما هي أمنيتك، وما هو طلبك؟"

تنحنح الأمير قائلا: اليوم سمعت لأول مرة بنوع من ثمار البحر لم أره ولم أتذوقه أبدا في حياتي، اسمه (بوق البحر ) ويبدو أنه لذيذ جدا جدا وشهي، أريد هذا النوع من ثمار البحر ولكني لا أريده طبقا جاهزا من المطاعم، بل أريد أن أكله على الطريقة التي رأيتها في الفيديو، حطب ونار وحوله حجارة وقدر مليء بالماء وبوق البحر وأنا أجلس قبالته وأنت معي جلالتك ونستمتع برائحته و بتذوقه حين ينضج ونأكله ساخنا طازجا وكل هذا في حديقة القصر. وأعتقد أن بوق البحر هو أهون من لبن العصفور. أليس كذلك جلالتك؟ " 

ذهل الملك والوزراء معه من طلب الأمير، وبقي صامتا لحظات، ثم قال مبتسما: "صحيح كلامك تماما، بوق البحر أهون من لبن العصفور، ولكنك شوقتني وأعتقد أن الوزراء كذلك قد تشوقوا لرؤية الفيديو الذي يعرض هذا الإعلان الفخم لطبق طعام فاخر كما تقول."

قال الأمير: "أنا جاهز"،  وأخرج جهاز هاتفه المحمول ثم بنقرات سريعة، وصل للفيديو، اقترب من الملك ووجه شاشة الهاتف اليه ثم شغل الفيديو، وحين انتهى، وجه الهاتف إلى الوزراء وأعاد تشغيل الفيديو،  وساد الوجوم وجوه الوزراء والملك.

أخذ الأمير المراهق يجول بناظريه على وجوه الوزراء ثم يعود إلى وجه جده الملك، محاولا أن يلتقط أي تعبير عن رأيهم بهذا الطبق من ثمار البحر الذي تعلق قلبه به، ولكنه لم يلمح أي تعبير سوى الاضطراب والتقزز.

قال الملك: " يبدو أنك لم تنتبه على أمر هام."

سأله الأمير: " أي أمر مولاي ؟" 

أجابه:" هنا في زاوية الفيديو في الأعلى مكتوب كلمة، هل قرأتها؟"

أجابه:" لا لم أنتبه لها ولم أقرأها، رغم انني أعدت مشاهدة هذا الفيديو عدة مرات."

قال الملك :" إذا، افتح الفيديو الآن وشاهده وأقرأ الكلمة في زاويته العليا على اليمين تماما، وبالمناسبة ذكرني أن أستقدم طبيب عيون ليفحص لك نظرك في أسرع وقت."

فتح الأمير الفيديو مجددا وأمعن النظر في الزاوية التي أشار إليها جده، وقرأ بصوت عال : (Gaza)!!!

 ثم ندهت عنه عبارة ملغومة:" جدي أريد أن تأخذني إلى Gaza , أريد أن اتناول مع أهلها بوق البحر."

أجابه الملك: " مستحيل، هل جننت؟ تريد أن تذهب إلى الجحيم بنفسك وتريدني أن أسلمك للموت بيدي، ألا تعرف أنه هناك يموت الناس بالآلاف يوميا، وأن من يذهب إليهم فهو ذاهب بلا عودة، هل تعرف أن  هذا الطبق من ثمار البحر الذي اشتهيته هو أدنى انواع  الطعام وهو ما تعف نفسي عن تناوله حتى لو مت جوعا؟ اطلب لبن العصفور أحضره لك ولكن الا بوق البحر فهو طعام أهل Gaza ,وأمثالهم ممن لم يتبق لديهم أي خيار آخر سوى بوق البحر، أنت أمير وحفيدي الوحيد وملك البلاد في المستقبل، لن اغامر بحياتك من اجل طعام تعافه نفسي. وكل مالذ وطاب من المحار والقريدس والجمبري والروبيان والأسماك الفاخرة من سلمون وترويت وغيرها من أسماك البحر مطهوة بأفضل الطرق جاهزة لك ويمكنني أن أقيم لك حفل شواء لثمار البحر وأسماكه في حديقة القصر لتأكلها طازجة ساخنة وكذلك أن شئت أن تتلذذ بطبق كافيار، يحضر جاهزا الآن ودون تأخير."

امتقع وجه الأمير وأحس بألم في رأسه، فصرخ قائلا: " يبدو أنك لم تف بوعدك جلالة الملك، أنت وعدتني أنك ستلبي طلبي حتى لو كان لبن العصفور وحين سألتك يومها قائلا(جدي، ماذا تعني بلبن العصفور، أليس العصفور يتكاثر بالاباضة وبالتالي ليس له لبن؟!!)

وقتها اجبتني:(صحيح ولكن هذه العبارة تعني أنني أعدك أن أحقق لك أي طلب حتى لو كان مستحيلا فهو يرخص لأجلك ) ."

انتفض الملك قائلا: " أي بني، أنا جاهز لأفي بوعدي لك ولم أخذلك ولكن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن لا نلقي أنفسنا الى التهلكة ."

أجابه الأمير:" أي جدي، أيها الملك المبجل، يا ملك أعظم مملكة مسلمة، ألم يدعك الله سبحانه وتعالى إلى نصرة أخيك وألا تتخلى عنه،  ألم يدعك نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى نصرة أخيك فإن كان مظلوما أن ترد الظلم عنه وان كان ظالما رددته عن ظلمه؟!! إذا لماذا تتخلى عن Gaza؟!!! وانت تعرف جيدا أن أهلها يقتلون بالآلاف يوميا على يدي الاsرائيليين وهم وصلوا إلى حد من الجوع أن يأكلوا بوق البحر الذي قلت أن نفسك تعافه حتى لو مت جوعا. كيف تتركهم يموتون جوعا وأنت تنام قرير العين فوق تلال من سبائك الذهب ومستعد لتقدم لحفيدك لبن العصفور ان طلبه.؟!!! "

صرخ الملك وقد خرج عن طوره: " اعتقلوه فورا، هذا ليس حفيدي، أقسم أنه ابن حرام" 

***

 بقلم: ابتسام نصر الصالح 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هو صحيح الهوى _بقلم الشاعر /رشاد زغلول

 هو صحيح الهوى بابه  ،،، عمره مبحبح لاحبابه ،،.. ،،،، مين ال خلى بتاع بحري ،،، ... يعشق نوبية وصرحلي ،،.، ،،،، والنوبي يعشق بحرية ... ،،،،،،...