(وطن)الحلقة الخامسة
يستمرون بالعملِ الدؤوبِ..رغمَ صعوبَتِه..وبساطةِ أدواتِه..في قلوبهم طيبةٌ.. وعلى وجوههم نفَحاتُ الغِبطة..أبو وطنٍ لايكَلُّ ولايَمَلُّ..يَمضي من عملٍ إلى عمل..وفي كلِّ مرّةٍ يُشرقُ مُحَيّاه أكثر..يحملُ أكياسَ المحصولِ على ظهرِه..يبنيها كبناءِ الفراعنةِ..ترتيبٌ ودقّةٌ وقوّةٌ.. لاتهتزُّ..لاتتحرك..حتى لو علاها جيشُ كٍسرى..حالما ينتهي منَ البناءِ..ينادي وطناً وإخوتَه للّعبِ فوقها..وهنا تتدخل أمُّ وطن..إذْ تخشى على صغارها السقوطَ والإصابةَ بالأذى..تضع فرشاتِ الصوفِ تحتهم..يطمئنُّ فؤادُها..تمضي إلى عملٍ جديدٍ.. جرشُ القمحِ وتحويلُِه إلى برغلٍ خشنٍ..وآخرَ ناعمٍ..يساعدْنها نساءُ الحي..وسطَ التسليةِ والمرح..فلا يعرفُ التعبُ إليهِنّ سبيلاً..فيما يضعُ أبو وطنٍ بعضَ أكياسِ القمحِ على العربةِ..يشدُّها إلى ظهرِ البغلِ..بعدَ أنْ يُدلِّلَه كالعادة..يذهب بها إلى الطاحونة..يعود بأكياسٍ منَ الطحينِ..وأكياسٍ ورقيَّةٍ تختبئ فيها اللحمةُ الحمراء..وأخرى يرتجفُ فيها الشحمُ والدهنُ..وأخرى فاكهة..وأخرى حلوى..يتركِ الأولادُ ألعابَهم الأولمبيةعندما يسمعون صوتَ العربةِ..يتراكضون إلى أبيهم يحملونَ الأكياسَ مُغَرِّدين..تبلل أمُّ وطنٍ البرغلَ بالماءِ..تحضرُ كيسَ البصلِ..تبدأ النسوةُ بتقطيعه..ثم دعكِ البرغلِ حتى تغورَ أنانيةُ حبيباتِه ..وتمتزجُ برقةٍ ونعومةٍ مع الجماعةِ..تشعلُ إحداهنّ موقدَ الكاز..تطبخ اللحمَ الأحمرَ..ثم الأبيضَ.. كلاًّ على حدة..يبدأنَ بإظهارِ مهارتِهِنَّ في صنعِ الكُبّةِ والأقراصِ المحشوّةِ بالشحم..يقلينَ بعضَها بالزيتِ..والبعضَ الآخرَ يطبُخنَه باللبن..أما الأقراصُ فتدخلُ الفرنَ بيضاءَ لتخرجَ منه شقراءَ..تُبهِرُ اللُّبَّ والنظر..تحضر أمُّ وطنٍ اللبنَ والخضراواتِ..يتحلق أبو وطنٍ ورجالُ الحي حولَ مائدتهم يأكلون بتلذذ..وعباراتُ المديحِ تنهمرُ على النسوةِ انهمارَ المطرِ..تتحلق النسوةُ حولَ مائدتِهنّ يأكلنَ بشهيّةٍ وسطَ أحاديثِهنّ المرحة التي لاتنتهي..فيما يتربّع الصغارُ حولَ مائدتهم..يتناولون الطعامَ بأدبٍ كي يُثبتوا لأهلهم حسنَ خُلُقٍهم..بعدَ الغداءِ..تسرعُ النسوةُ لتنظيفِ البيتِ وإعداد أباريقَ الشاي..يجلسُ الرجالُ على سطحِ المنزلِ..تجلسُ النسوةُ تحتَ العريش..يتطايرُ الصغارُ للّعبِ والجري واللهو..لكنهم يتساقطونَ كحباتِ اللؤلؤ حينَ توزيعِ الفاكهةِ والحلوى...كان الصّيفُ أجملَ فصولِ السنةِ لدى وطن..يحبُّه بكل مافيه..أرضُه..شمسُه سماؤه..حتى عمله وتعبه ألذُّ على قلبه منَ العسلِ..لكنه سرعانَ مايطوي بساطَه معلناً الرحيلَ..مادّاً بساطَ الخريف...!!!يتبع في الحلقة السادسة
بقلم صباح أبوالسل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق